Wednesday, 2 September 2015

التراث وصيانة البيئة: ابن طفيل والجاحظ مثالاً

تَعمُر كتب التراث العربي والإسلامي بكنوز هي بحاجة دائمة للتنقيب عنها وإظهارها، إما لفائدة وحكمة نجنيها أو لمجرد معرفة تاريخنا. وقد قال غير واحد من الحكماء أن لا سبيل لنهوض أمة لا تفقه تاريخها، فحري بنا إذن أن ننهل من بعض ما تقدمه لنا ثقافتنا، فهي جزء لا يتجزأ من تاريخنا، بغض النظر عن ميولنا وعقائدنا.

وفي هذا الصدد أعرض نصين يَنُمُّ أحدهما عن وعي شديد بأهمية الحفاظ على البيئة وصيانتها، وهو مجتزأ من رسالة حي بن يقظان للفيلسوف الأندلسي ابن طفيل. وفيه تُشكل خدمة الكائنات الحية، من نبات وحيوان، وإماطة الأذى عنها جزءاً مُهماً من رحلة بطل الرواية، حيّ، للوصول إلى الحقيقة.

أما النص الآخر فهو من كتاب البخلاء للجاحظ، وفيه سرد لقصة أحد المُقَتِّرِين، والتي تقدم لنا نموذجاً مبكراً لما نطلق عليه اليوم بالتدوير، أي أعادة استخدام وإعادة صناعة المواد المُستَهلكة، من زجاج وبلاستيك وحديد وغير ذلك. ومع أن فكرة التدوير عرضية في النص، إذ الهدف الأصلي له هو بيان شح الشخص وليس وعيه البيئي، إلا أنه يستأهل إيراده إلى جانب نص ابن طفيل، الفريد بحق.

نص ابن طفيل:
ويقع هذا النص في سياق حديث ابن طفيل عن سعي في خدمة الكائنات الحية في جزيرته:
"ورأى أن يأخذ من هذه الأجناس إذا عدمت أيها تيسر له، بالقدر الذي يتبين له بعد هذا. فأما إن كانت كلها موجودة فينبغي له حينئذ أن يتثبت ويتخير منها ما لم يكن في أخذه كبير اعتراض على فعل فاعل، وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد تناهت في الطيب، وصلح ما فيها من البذر لتوليد المثل؛ على شرط التحفظ بذلك البذر، بان لا يأكله ولا يفسده ولا يلقيه في موضع لا يصلح للنبات، مثل الصفاة (الحجر الضخم الذي لا نبت فيه) والسبخة ونحوهما. فإن تعذر عليه وجود مثل هذه الثمرات ذات الطعم الغاذي، كالتفاح والكمثرى والأجاص ونحوها، كان له عند ذلك أن يأخذ إما من الثمرات التي لا يغذو منها إلا نفس البذر، كالجوز والقسطل، وإما من البقول التي لم تصل بعد حد كمالها.

والشرط عليه في هذين لأن يقصد أكثرها وجوداً وأقواها توليداً، وأن لا يستأصل أصولها ولا يفني بذرها. فإن عدم هذه، فله أن يأخذ من الحيوان أو من بيضه، والشرط عليه في الحيوان أن يأخذ من أكثره وجوداً، ولا يستأصل منه نوعاً بأسره.

وأما المقدار فرأى أن يكون بحسب ما يسد خلة الجوع ولا يزيد عليها. وأما الزمان الذي يفرق بين كل عودتين، فرأى أنه إذا اخذ حاجته من الغذاء، أن يقيم عليه ولا يتعرض لسواه، حتى يلحقه ضعف يقطع به عن بعض الأعمال …"

ثم يتحدث ابن طفيل، وكل ذلك في سياق اقتداء حي بن يقظان بالأجرام السماوية إذ رأى أنها تتسم بالطهارة والنقاء، وخدمة الغير بضيائها وحرارتها:  

"ألزم نفسه أن لا يرى ذا حاجة أو عاهة أو مضرة، أو ذا عائق من الحيوان أو النبات، وهو يقدر على إزالتها عنه إلا ويزيلها. فمتى وقع بصره على نبات قد حجبه عن الشمس حاجب، أو تعلق به نبات آخر يؤذيه، أو عطش عطشاً يكاد يفسده، أزال عنه ذلك الحاجب إن كان مما يزال، وفصل بينه وبين ذلك المؤذي بفاصل لا يضر المؤذي، وتعهده بالسقي ما أمكنه.
ومتى وقع بصره على حيوان قد أرهقه ضبع أو نشب به ناشب، أو تعلق على شوك، أو سقط في عينيه في أذنيه شيء يؤذيه، أو مسه ظمأ أو جوع، تكفل بإزالة ذلك كله عن جهده، وأطعمه وسقاه. ومتى وقع بصره على ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممره عائق، من حجر سقط فيه، أو جرف انهار عليه، ازال ذلك كله عنه."

ويذكرني الجزء الأخير من النص بِمشهد من فيلم "سبع سنوات في التبت"، الذي يحكي قصة متسلق جبال نمساوي يعيش زمناً في التبت بعدما اضطرته ظروف الحرب العالمية الثانية لذلك. ففي المشهد، يبدأ المتسلق "هينريتش هيرر" الإشراف على بناء مسرح سينما، بناء على طلب الزعيم الروحي لشعب التبت "الدلاي لاما"، الذي كان لا يزال طفلاً وقتذاك. وحين بدأ الحفر، رفض الرهبان العمل لخوفهم من قتل الدود، الذي يؤمنون، وفقاً لعقيدة التناسخ، أنها قد تكون واحدة من أهليهم. ولم يستمر العمل في البناء إلا بعد الوصول إلى حل أنقذت من خلاله الديدان. ومع اختلاف أسباب حيّ ومؤلفه عن تلك التي تعلق بها رهبان التبت، إلا أن النتيجة واحدة، وهي صيانة النظام البيئي الذي يحتضننا.

نص الجاحظ: 
"كان أبو سعيد ينهى خادمته أن تخرج الكساحة (ما يُكنس) من الدار. وأمرها أن تجمعها من دور السكان، وتلقيها على كساحتهم. فإذا كان في الحين بعد الحين جلس وجاءت الخادم معها زبّيل، فعزلت بين يديه من الكساحة زبّيلا (موضع القمامة)، ثم فتّشت واحدا واحدا، فإن أصاب قطع دراهم وصرة فيها نفقة والدينار أو قطعة حلى، فسبيل ذلك معروف. وأما ما وجد فيه من الصوف، فكان وجهه أن يباع إذا اجتمع من أصحاب البراذع (أكسية توضع فوق الدواب) وكذلك قطع الأكسية، وما كان من خرق الثياب، فمن أصحاب الصينيّات والصلاحيات (إناء خزفي) وما كان من قشور الرمان، فمن الصبّاغين والدبّاغين. وما كان من القوارير، فمن أصحاب الزّجاج. وما كان من نوى التمر، فمن أصحاب الحشوف (أي زُرّاع التمر)، وما كان من نوى الخوخ، فمن أصحاب الغرس، وما كان من المسامير وقطع الحديد، فللحدّادين. وما كان من القراطيس، فللطراز، وما كان الصحف فلرؤوس الجرار. وما كان من قطع الخشب، فللأكافين (صُناع برادع الدواب). وما كان من قطع العظام، فللوقود، وما كان من قطع الخرق، فللتنانير (الأفران) الجدد: وما كان من اشكنج (الحصو والحجارة الدقيقة) فهو مجموع للبناء، ثم يحرّك ويثار ويخلّل، حتى يجتمع قماشه، ثم يعزل للتنور. وما كان من قطع القار (مادة نفطية سوداء)، بيع من القيّار. فإذا بقي التراب خالصا، وأراد أن يضرب منه اللبن (الطوب) للبيع وللحاجة إليه، لم يتكلّف الماء، ولكن يأمر جميع من في الدار أن لا يتوضؤوا ولا يغتسلوا إلا عليه، فإذا ابتلّ ضربه لبنا."
3 سبتمبر 2015
الشروط والأحكام/الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص والصورة للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص والصورة المرفقة أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.  

0 comments:

Post a Comment

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More