Tuesday, 14 May 2013

هل تستحيل اللغة العربية مسخاً؟


يساورني كابوس شبه دائم تستحيل فيه اللغة العربية إلى مخلوق آخر. إلى شيء آخر يفتقر إلى القوة والجمال معاً. كابوس تستحيل فيه اللغة العربية مسخاً. والسبب في ذلك هو إسراف العرب شيباً وشباناً في استخدام الكلمات الأجنبية سواء في الأحاديث اليومية أو الكتابات العلمية والأدبية.

لاشك أن مسألة استعارة الألفاظ من لغة إلى أخرى ليست مشكلة في حد ذاتها، فهي ظاهرة صحية تسهم في إثراء اللغة. بل إن استعارة الكلمات يأتي في سياق التطور الطبيعي لأي لغة. إلا أن الإفراط غير المبرر في استعارة الكلمات من لغات أخرى يجب أن يعامل بحذر شديد.

فالقضية ليست قضية عصبية تجاه لغتنا أو محاولة متشددة لإبقاء اللغة العربية ضمن قالب نقي غير قابل للتغير. القضية الأَوْلى والأهم هي الحفاظ على هويتنا العربية والإسلامية والتي ينضوى تحتها أناس من مختلف الملل والأعراق. وأقصد بالهوية هنا العمق الحضاري الذي ازدهر فيه نتاج فكري متسامح لابد من الحفاظ على صلتنا به، واللغة بلا شك هي الوسيلة الأمثل والأهم لهذا السبيل.

كما أن التاريخ يظهر لنا بوضوح أن ثمة علاقة طردية بين التطور الحضاري والبراعة اللغوية سواء كان ذلك في العلم أو الأدب. وفي هذا الصدد يقول العلامة الأندلسي ابن حزم الظاهري: "يقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم. وأما من تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم، فمضمون منهم موت الخواطر."

إن الاستفادة من الحضارات الأُخرى لا يأتي من اعتناق لغاتها، بل من نقل معارفها إلى لغتنا. وهذا ما حدث خلال حركة الترجمة في القرون الوسطي من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية. فبالرغم من حاجة طالبي العلم في أوروبا آنذاك إلى تعلم اللغة العربية، إلا أنهم لم يلجأوا إلى تعريب جامعاتهم ومعاهدهم، بل ترجموا أمهات الكتب التي أنتجتها الحضارة العربية الإسلامية. 

وحتى أسماء المؤلفين العربية نقلت بشكل لاتيني، بمعنى أن لفظها عُدل ليناسب طبيعة اللغة اللاتينية، كنطق "أفيسينا" بدلاً من "ابن سينا". بطبيعة الحال أسهمت تلك الحركة في إدخال الكثير من الكلمات العربية التي لم يجد لها المترجمون رديفاً لاتينياً إلى اللغات الأوروبية. 

وفي المقابل نجد نوعاً من الكسل لدى الكثير من المترجمين والنقاد والكتاب العرب في استعارة ألفاظ أجنبية من السهل إيجاد رديف عربي لها. فنلاحظ مثلاً استسهال استخدام الكلمات المنتهية بـ"لوجي" مثل "فيزيولوجي". والمثير للقلق في هذا الأمر أن معظم هذه المصطلحات التي نؤثر استخدامها بشكلها اللاتيني أو اليوناني يمكن أن نجد لها بدائل عربية، كاستخدام "دراسة وظائف الأعضاء"  بدلاً من "فيزيولوجيا"

قد يجادل البعض بأن هذه الكلمات عالمية حيث أنها غريبة على معظم اللغات الأوروبية، إلا أنهم جميعاً يستخدمونها لكونها لغة العلم. ورغم قوة هذه الدعوى، إلا أنها غير مقنعة لكون معظم الدول الأوروبية اتخدت من اللغتين اليونانية واللاتينية كمصدر للعلم وكإرث حضاري منذ قرون.

ومع ذلك، فلا ضير من استعارة الألفاظ من لغات أخرى، فقد فعل أسلافنا ذلك في أزهى عصور العربية، بل إن منعلماء اللغة القدامى من عجز عن تميز أعجمية بعض الكلمات، لكن المقلق في الأمر هو ازدياد وتيرة تدفق الألفاظ الأجنبية وعدم قدرة الكتاب والمترجمين وحتى مجامع اللغة العربية على مجاراة هذا السيل العرم عبر نحت بدائل عربية.

لقد بات من الملح أن نعمل على نحت البدائل العربية لهذا الدفق الهائل من الألفاظ الأجنبية، لكن لا يجب الافتراض أننا بصدد تنقية اللغة العربية مما لم تتحدث به العرب إذ أن ذلك ضرب من المستحيلات. وسيكون من الصعب في الكثير من الأحيان نحت رديف عربي لبعض المصطلحات المتداولة.

وفيما نقوم بذلك، يجب أن نذكر أنفسنا أن الكثير من أئمة الفكر الإنساني كتبوا باللغة العربية ولم يشككوا يوماً في قدرتها على مواكبة تدفق الأفكار والمفاهيم العلمية والفكرية. يجب أن لا ننسي أن الخوارزمي وابن الهيثم، وابن رشد، وابن خلدون كتبوا جميعاً باللغة العربية. فلنتوقف إذن عن وصم لغتنا بالوهن، لأن الوهن يعشعش في عقولنا نحن من نستخدم اللغة.

************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص والصورة للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص والصورة المرفقة أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.  



0 comments:

Post a Comment

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More