فاس، المغرب // كان يوشك أن يؤذن للمغرب في الزاوية التيجانية في مدينة فاس المغربية عندما جلس في الفناء مجموعة من الرجال حول صوان من الألمنيوم وضع عليها أرغفة الخبز المرقق والتمر والحليب وحساء الحريرة المغربي.
جثم عبدالحميد الورهي، 23 عاماً، بصمت في انتظار الأذان. يعمل الشاب في نهاره في مصنع للأحذية ويقضي عدداً من ساعات المساء في هذه الزاوية للمشاركة في جلسات الذكر التي يحيها المريدون كل يوم. نشاط عبدالحميد اليومي هذا هو أحد تجليات انبعاث الحركة الصوفية في المملكة المغربية بعد أن كادت شمعتها تخبو في العقود الماضية. وتسعى الحكومة إلى تحفيز هذا الانبعاث في محاولة لوقف المد السلفي الذي يبدوا أنه أرسى قواعده في عقول الكثير من شباب هذا البلد العربي.
بعد الصلاة والإفطار، دلف عبد الحميد إلى داخل الزاوية التي بنيت على هيئة المساجد المغربية التي تزدان ببلاط الحائط المحلى بالنقوش الهندسية والزجاج الملون. يقبع في وسط الزاوية ضريح كبير لسيدي أحمد التيجاني، الذي أسس الطريقة التي تتبع لها الزاوية في القرن التاسع عشر. وأحيط القبر بأعمدة من النحاس وأخرى أقصر وأسمك من الرخام.
جلس عبد الحميد إلى جانب القبر، الذي يتبارك به مريدو الطريقة الذين ينحدرون من أنحاء مختلفة في إفريقيا لا سيما السنغال ومالي وموريتانيا، وقال بصوت تغلب عليه السكينة: "التصوف هو صفاء النية وطهارة القلب."
وأضاف: "الكثير من الناس الذين يريدون أن يصبحوا ملتزمين يتبعون أفكاراً تقودهم إلى التطرف ورفض الآخر، لكن التصوف يمثل طريقة مسالمة تدعو إلى الحوار وحب الآخرين."
ينظر إلى التصوف على أنه مدخل روحاني للإسلام ولا تختص به طائفة دون أخرى، لكن يختلف المسلمون في النظر إليه حسب توجهاتهم الفكرية والعقدية. فمنهم من يراه بدعة وإثم ومنهم ينتهجه أسلوباً لحياته. وتمتاز طرائق التصوف بوجود شيخ على رأس كل منها وتخص كل طريقة نفسها بمجموعة من الأذكار والأدعية التي يرددها تابعوها الذين غالباً ما يوسمون بالمريدين أو الفقراء. ويعمل مريدو الطرق المختلفة باستمرار على حفظ أناشيد المديح والسماع التي يبدعون في أدائها في المناسبات المختلفة، لاسيما في احتفالات يوم ميلاد النبي المعروفة بالمولد.
ولا يختلف جوهر التصوف كثيراً عن الممارسات الباطنية والروحانية للكثير من الأديان حيث يهدف المتصوفة عبر ممارسة الذكر إلى الوصول إلى حالة من المعرفة تشعرهم بالحب الإلهي. وأقصى مبتغاهم هو تجاوز مرحلتي الإسلام والإيمان إلى مرحلة الإحسان التي يعرفها النبي بأنها: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك."
لكن لجلسات الذكر أثر مباشر ليس ذو صلة بالإحسان ويطلق عليه المتصوفون "الحال" وهو حالة شعورية تنتابهم أثناء الذكر ولا يمكن للكثير منهم وصفها بشكل دقيق. ويتحدث بعض رجال التصوف عن الحال على أنه نوع من الكرامات التي لا ينبغي لمن يجربها أن يتحدث عنها. ويبدوا أن الحال لا يعدو أن يكون تجربة شعورية آنية يهتز نتيجة لها جسد الشخص الذي يمر بالتجربة ويقوم بإصدار أصوات عميقة أو يقفز.
وتجلت قوة الذكر في حلقة شكلها بعد صلاة العشاء في أحد ايام الصيف مجموعة من الشبان المراهقين في باحة الزاوية البودشيشية في قرية مداغ الواقعة بالقرب من الحدود المغربية-الجزائرية. بدأ الأمر بترديد أبيات شعر في العشق الإلهي. ثم ازدادت حدة الغناء بالتدرج وبدأ بعض الشبان بالوقوف كلما ازداد انغماسهم في الإنشاد. كان بعضهم يمسكون بأيدي من يليهم ويقفزون بنوع من النشوة. ومع نهاية كل بيت أطلقت حناجرهم العنان لصوت تردد صداه عبر باحة الزاوية التي تكسوا ألواح الصفيح سقفها. كان الصوت حاداً ومجلجلاً ومع ذلك بالكاد يمكن تمييزه: "هـ". إنه الحرف أو المقطع الأخير من اسم الجلالة الله، وهو الصوت الذي يطلقه المتصوفة لدى انغماسهم في الذكر أو السماع.
مجموعة أخرى من مرتادي الزاوية من طلاب المدارس الذين كانوا يقضون جزءاً من إجازتهم الصيفية في الزاوية إما بإيعاز من أولياء أمورهم أو لرغبة ذاتية في فعل ذلك صدحوا في مكان آخر من الزاوية بصوت قوي يبعث على الخشوع، مرددين واحداً من الأسماء الحسنى: "اللطيف". قال أحد مشرفي الزاوية أن التدرج في الأذكار يبدأ بترديد اسماً من أسماء الله بشكل متواصل.
قال أحد الشبان الذين قدموا إلى الزاوية البودشيشية وهو حسن بوماطا، 17 سنة، من مدينة تزنيت الواقعة في منطقة "سوس ماسة درعة" جنوبي البلاد، أن ذلك الشعور بالنشوة الذي يغمر جسده هو أكثر ما يجذبه إلى التجربة الصوفية. وقال: "يبحث الكثير من الناس عن السعادة لكن السعادة الحقيقية تكمن في الذكر."
تشهد الزاوية البودشيشية على انبعاث التصوف بشكل واسع في المملكة المغربية، فهي تستقطب سنوياً أكثر من 100،000 زائر خلال احتفالاتها بالمولد النبوي. ولا غرابة في ذلك، فإن التصوف كان على امتداد قرون أحد السمات المميزة للهوية والثقافة المغاربية عموماً. فلا عجب أن تجد الزوايا والأضرحة والمقامات تتناثر في شتى أنحاء البلاد من الصحاري والجبال إلى الوديان والمروج الخصيبة.
لكن تأثير التصوف انحسر في المغرب في النصف الثاني من القرن العشرين نتيجة لظهور عدد من التيارات العلمانية والدينية المتنافسة، بما في ذلك تأسيس عام 1969 أول حركة إسلامية مغربية متأثرة بحركة الإخوان المسلمين في مصر. غير أن تفجيرات الدار البيضاء في عاميّ 2003 و 2007 والتي اقترفها أصوليون رشفوا أفكارهم من التفسيرات السلفية الحرفية والمغالية، حدت بالسلطات إلى إغلاق العشرات من كتاتيب تحفيظ القرآن التي يؤمها السلفيون والعمل في الوقت ذاته على تجديد الاهتمام بالتصوف. ومنذ تولي الأسرة العلوية الحكم في المغرب عام 1666، عمد الملوك إلى جعل التصوف ركناً أساسياً من أركان التركيبة الإيمانية للبلاد.
لذا يبدو من البديهي أن يبقى هذا البلد وفياً لهذا التقليد الإسلامي الذي يهدف إلى زرع السكينة في النفوس عبر الذكر وغالباً ما يدعوا منتسبوه إلى التناغم الاجتماعي والاعتدال الديني في مقابل التفسيرات الحرفية والمتشددة التي يتبناها ويروجها السلفيون.
لكن ممارسات المتصوفين لازالت تثير امتعاض الكثير على اعتبار أنها ضروب من البدع التي حث نبي الإسلام على تجنبها. ففي فاس على سبيل المثال، تحدث صلاح الدين الشرقي، 16 عاماً، عن عدم قناعته بأن الزاوية هي "بيت الله" كما يطلق على المساجد عموماً. وقال متحدثاً باللغة العربية الفصحى بينما كان يمشي في زقاق المدينة القديمة المزدحمة، مرتدياً قميصاً أحمراً وسروالاً قصيراً وشبشباً: "أنا أؤمن بالله ورسوله ولكن الزاوية ليس بيتاً للعبادة، فهناك شخص مدفون بالداخل ولا يمكن أن أصلي في مكان مدفون فيه أحدهم."
والبعض الآخر يرفض التصوف قلباً وقالباً، كمجموعة من الشباب الملتحين الذين كانوا يقفون خارج مسجد البريمة في مدينة مراكش. ولدى سؤالهم عن رأيهم بالمتصوفين والزوايا كتلك الواقعة قبالة المسجد الذي يؤمونه، وصم أحدهم بعض ممارسات المتصوفين بالكفر قائلاً: "التبرك (بالأموات) كفر صريح".
وقد يتغاضى بعض السلفيين عن الكثير من الممارسات الصوفية مثل الذكر الجماعي، لكنهم يرفضون جميعاً وجود القبور داخل الزوايا والتبرك بها كما يعترضون بشدة على الاحترام الذي يقترب من التقديس لشيوخ الطرق. إدريس الفايز، وهو إمام الزاوية التيجانية في فاس، قال أنه يتفهم النقد الموجه لبعض الممارسات الصوفية. وقال فيما كان يجلس سانداً ظهره على حائط الزاوية المغطى بالبلاط المزركش: "هناك أشكال من الجهل في أوساط بعض المتصوفين كالاختلاط بين الجنسين واستخدام الموسيقى."
وفي ظل الانتقادات المختلفة التي توجه إلى التصوف وأهله، فإن المدافعين عنه يرون أن انحسار أثر التصوف في الحياة المغربية في العقود الأخيرة والانتشار الواسع لبعض الفضائيات المعادية للتصوف، أفسح المجال للتيارات المتشددة مثل السلفية للنمو والانتشار.
وحول ذلك قال فوزي الصقلي، عالم الإناسة ورئيس مهرجان فاس للثقافة الصوفية: "لقد أدى غياب دور التصوف إلى ظهور كافة أنواع التطرف. لا يمكن لنا أن نتخيل حضارة بوجود هذا النوع من السلوك القائم على قتل الأبرياء. لقد طورنا عقيدة تخالف أبسط قيم الحضارة الإسلامية." ومضى قائلاً: "إذا لم يحدث تغيراً في القيم الأخلاقية التي تحكم المجتمع، فإننا حتماً سنتجه نحو المزيد من الأزمات والفتن."
وبغض النظر عن انحسار التصوف في المغرب من عدمه، فإن هذه الصبغة الروحانية للإسلام ستبقى دوماً جزءاً لا يتجزأ من الشخصية والهوية والتراث المغربي. في الزاوية البودشيشية في مداغ، تحدث سيدي جمال، المتبحر الصوفي وابن شيخ الطريقة، فيما كان يتناول حساء الحريرة على مائدة الإفطار داخل بيته القائم في مجمع الزاوية، قائلاً: "التصوف جوهر الإسلام. الرسول والصحابة والتابعون كانوا جميعاً صوفيين."
--
كتبت النسخة الأصلية من هذا المقال باللغة الإنجليزية لصحيفة "ذا ناشيونال" في أبوظبي بعد رحلة لعدة مدن مغربية ونشر في 12 أيلول 2009. قمت بترجمة هذا المقال في 26 حزيران 2013. أنقر هنا رابط للمقال الأصلي.
************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.
الصورة من: نيكول هيل

0 comments:
Post a Comment