Thursday, 19 December 2013

التبت: طقوس الدفن في السماء


الارتفاع شاهق. أربعة آلاف متر أو أكثر فوق موج البحر. قلة الأكسجين في الهواء جعلتنى أهيم في تجربة روحانية لا هي صوفية ولا هي بوذية بل حالة من الانتشاء لا أكثر. وبينما كنت أمشي وزميلتي المصورة الفوتوغرافية على سفح أحد جبال هضبة التبت العظيمة بعد قضاء ليلة في فندق تابع لأحد الأديرة البوذية لفتني شيء في أعلى قمة الجبل التي لا تبعد كثيراً عن الشِعب الذي كنا نسلكه: نسر وغراب يقفان بمحاذاة بعضهما البعض في مشهد مريب. علامَ يجتمع نذيرا الموت؟ فكرت في ذاتي بنوع من العفوية.

في الليلة الفائتة ترددت قليلاً قبل أن أمشي بالقرب من برميلين وضعا فوق جثتين أتا بهما القرويون كي "يدفنا" بعد أن رتل الرهبان الصلاوات عليهما. وضعت الجثتان، المكفنتان، على هيئة الجنين، ثم قام بعض عمال الدير بوضع برميلين فوقهما، ربما لمنع الحيوانات من المساس بها ريثما تكتمل مراسم الدفن. لكنني قررت أن أتجاهل الجثتين كي أذهب إلى باحة علوية في الدير حتى أتمكن من التحديق في النجوم. كان المنظر آسراً، لاسيما أن الليلة لم تكن قمراء. فللمرة الأولى في حياتي أرى هذا الكم العظيم من النجوم. لعل وجودي فوق سقف الأرض، كما توصف التبت، وصفاء ونقاء الجو أسهم في إضفاء شعور غريب بأنني لم أكن أنظر إلى النجوم من على سطح الأرض، بل أني عرجت فجأة إلى الفضاء. ولعل ما زاد من هذا الشعور رؤيتي النجوم في سياق ثلاثي الأبعاد بحيث بات العمق الذي يفصل بين المجموعات النجمية جلياً بدلاً من المشهد الذي اعتدت عليه والذي تبدو فيه النجوم كأنها نقاط خُطّت على ورق.


في الصباح، استيقظنا مبكراً كي نقوم بتصوير الصلاة الجنائزية التي يؤديها الرهبان كل يوم. أعتقد أن جثتي البراميل كان صُلي عليهما في وقت ما من عصر أو مساء اليوم السابق، ومن ثم أخذتا "لـلدفن" فجراً. ذهبنا في البداية إلى أعلى مكان في الدير لنرقب خروج الرهبان الذين لفوا أنفسهم بقطع قماش أرجوانية. انسدلوا من مهاجعهم الواحد تلو الآخر يلفون أنفسهم بأثوابهم الخشنة. ثم نزلوا إلى ساحة في مدخل الدير يحيط بها فندق صغير ومطبخ الدير ومطعم. التف الرهبان في نصف دائرة وفي مقدمتهم كبيرهم الذي تميز عنهم بلف رأسه بغطاء أصفر.


وكان أمامهم تابوت خشبي قام الحانوتي، وهو رجل نحيل، طويل القامة ويرتدي قبعة عريضة، بمساعدة ابنه بإحداث فتحة فيه عبر فك غطاءه قليلاً، وكأنه أراد بذلك أن يترك فسحة للروح كي تغادر جسد الميت إلى الأبد قبل "دفنه". وبعد ذلك بدأت الصلاة الجنائزية. وأكثر ما علق في ذاكرتي من تلك الصلاة هو الصوت الغليط لكبير الرهبان والذي كان أشبه بصوت المزامير البوذية الطويلة التي يتردد صداها في أعالي جبال التبت عدة مرات في اليوم.


وبعد تلاوة الصلوات قام الحانوتي وولده بإحكام إغلاق التابوت. ثم حمل الأب التابوت على ظهره مستخدماً بعض الحبال. ثم بدأ الأب في السير فيما حمل الابن راية بيضاء. وخارج أسور الدير كان في انتظارهما عربة تراكتور. كنت سمعت عن وجود عدة مواقع لما يسمى بـ"الدفن السماوي" أو "جهاتور" في التبت ولكني افترضت أنه اسم يطلق على مراسم الدفن هناك لارتفاع المنطقة الشاهق.




وفيما غادر التراكتور، أومأ لنا السائق، الذي أتا بنا إلى الدير والذي لايجيد اللغة الإنجليزية، بالمشي فمشينا بنفس اتجاه التركتور. وكان يجول في خاطري أننا نقوم بالمشي حول الدير فيما يسمى بالـ"كورا" وهو طريق للمشي يحيط بالأديرة البوذية وغالباً ما يستخدمه الرهبان للمشي التأملي. وأثناء سيرنا هذا رأيت ذلك اللقاء الغريب بين النسر والغراب.

توجهت نحوهما ببطء قدر الإمكان والتقطت بعض الصور من بعيد، لكن عدستي لم تكن طويلة بما فيه الكفاية لتقرب الأشياء. وحين اقتربت منهما بعض الشيء هُرعا يطيران. لكني تابعت الصعود إلى أن وصلت أعلى الجبل الذي تعلوه هضبة وليس قمة مدببة. مضيت أمشي فوجدت مزيداً من النسور. شعرت وكأنني في مشهد من مشاهد مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" الطبيعية: الهواء النقي والنسيم البارد وأشعة الشمس الدافئة والجوارح والجبال التي تشبه أعشاب سفوحها التندرا السيبيرية. حالة من من الانتشاء كان ما شعرت به.


وكلما مشيت مزيداً ازدادت أعداد النسور. وما أثار دهشتي أن معظمها كان هابطاً على الأرض بدلاً من التحليق في السماء. وكلما رأيت المزيد من النسور ازداد شدوهي فآخذ بالتقاط المزيد من الصور لأوثق هذه التجربة الجديدة ولأجاري ضخ الأدرينالين في دمي.


وبعدما مللت من مشهد الجوارح الساكنة قررت أن أركض قليلاً باتجاهها كي أحثها على التحليق. وبالفعل انتفضت مجموعة منها وطفقت تهز أجنحتها وعندئذ سمعت أحدهم يصرخ من بعيد. لم ألق بالاً إذ اعتقدت أن السائق يحاول أن يخبرني أن أنضم إليه وزميلتي المصورة. وبعد انتهائي من أخذ الصور، أكملت السير بمحاذاة الشعب الجبلي الذي كنت أسلكه قبل صعود الهضبة إلى أن وصلت إلى السفح وعندها حدث كل شيء بسرعة كبيرة.


نظرت أسفل الهضبة وإذ بمجموعة ضخمة من النسور تقف في مكان أشبه بحظيرة دواجن. كان هناك العشرات منها. وإلى اليسار من النسور رأيت ثلاثة رجال يحملون ما يشبه السواطير أو السكاكين الكبيرة وينهالون بها على شيء أو أشياء زهرية اللون وضعت على طاولة مستطيلة. وهناك أدركت ما يحدث. انتابني شعور غريب لكنه لم يكن واضحاً. كان أشبه بالصدمة التي ربما تثير الغثيان أكثر من الخوف. تابعت سيري نزولاً على السفح ورأيت السائق والمصورة وبينما كنت على بعد أمتار منهما، قلت: أتعرفين ما يحدث هناك في المقبرة؟


لا أذكر إن قلت المزيد ولكن بمجرد أن اقتربت منهما لاحظت رجلاً مغضباً يمشي باتجاهنا بسرعة كبيرة. وحين اقترب قليلاً بدأت ملامحة تظهر فيما كان يصرخ. كان يرتدي مريولاً أبيض ويلف قماشة على رأسه أو ربما طاقية ويحمل سكيناً كبيراً أشبه بالسيف العريض القصير ويلوح به. كان مريوله وسيفه ملطخان بالدم. كان شديد الحنق حتى بدا وكأن جميع دمه صعد إلى رأسه ثم تركز في وجهه. كادت عيناه تخرجا من مكانيهما. كان وجهه أشبه بقناع مخيف لغول صيني.


وعندما أصبح على بعد أمتار منا وبدأت أرى الدم يقطر من سكينه أشرت إلى السائق إن كان علي البقاء أم الهرب، تردد قليلاً وبدا عليه الكثير من الارتياب لكنه أومأ إليّ بالذهاب. حينها هتفت للمصورة "أركضي" وأخذت أركض بأقصى ما لدي من سرعة. نظرت إلى الخلف نظرة خاطفة وإذا به يلاحقنى، لكنني كنت أسرع منه. علمت لاحقاً أنه رمى باتجاهي حجراً كبيراً. أخذت أركض بلا وعي وكأني أركض من الموت ذاته، لكني كنت موقناً أنه لن يستطيع اللحاق بي لأنه غاضب فيما كنت أسابق الزمن لأجل البقاء على قيد الحياة. ومع ذلك كنت أنظر في اتجاهات مختلفة خوفاً من أن يكون أخذ طريقاً مختصراً إذ أن أهل التبت أدرى بشعابها.


كان نفسي سريعاً وعميقاً في الوقت ذاته إذ لم أعتد على الركض في هذه المرتفعات الشاهقة. فقبل أيام فقط كنت بالكاد استطيع التحرك بدون الشعور بالدوار نظراً لقلة الأكسجين في هذا المكان الشاهق الارتفاع. ركضت لمدة عشر دقائق أو أقل أو أكثر حتى وصلت إلى الدير. لم أتوقف تماماً إلى أن أصبحت قريباً من أسواره.


وهناك شعرت بنوع من الفأل السيء عندما رأيت سرباً من الجوارح السوداء تحلق في السماء أعلى الدير. وعندئد أيضاً انتابني شعور بالذنب وإحساس بالجبن بل والوضاعة معاً. وأخذت أفكر فيما قد يكون قد حدث لزميلتي المصورة. وأجتاحت الأفكار السوداء عقلي حتى لم أعد أرى شيئاً. وبعد أن هدأ تنفسي مشيت قليلاً باتجاه المقبرة، لكنني لم أجرؤ على الذهاب هناك. انتظرت إلى أن وصلت زميلتي وحيدة إذا أن السائق هرب أيضاً كما أخبرتني. قالت لي أنها تجمدت في مكانها ولم تستطع الهرب وأن الرجل تبعني قليلاً ثم عاد أدراجه بعد أن كنت اختفيت عن النظر.


يؤمن البوذيون التبتيون أن الجسد البشري مجرد وعاء يحمل الروح وبخروجها منه يجب إعادته إلى الطبيعة كنوع من رد المعروف. يفعلون ذلك بإطعام جثامين موتاهم إلى النسور كهدية للطبيعة. وكي تتم العملية بدون أن يبقى أي أثر للجثمان يقومون  بتقطيع الميت إلى قطع صغيرة وتفتيت عظامه ويقومون بخلطها بالطحين وزبدة الـ"ياك" ومن ثم إطعامها للجوارح النهمة. لم أر هذه التفاصيل. كل ما رأيت هو ثلاثة رجال ينهالون بسواطيرهم أو سكاكينهم الكبيرة على شيء زهري اللون. ربما كانوا يكسرون العظام بعد نزع اللحم منها.



وحسب ما أخبرتني إحدى العاملات في الفندق الذي كنت أقيم فيه، فإن من يقوم بهذا العمل إما كهان أو رجال وصفتهم بأنهم "ذوو طبيعة خاصة" يطلق عليهم باللغة المحلية "روغيابا". وفي العادة يذهب الرجال والأطفال لمشاهدة الدفن السماوي. ويعتقد بوذيو التبت أنه كلما أسرعت النسور في ألتهام الجثمان كان ذلك دلالة على أن صاحبه من الصالحين. جعلني ذلك ابتكر شتيمة عندما أغضبني أحد وكلاء السفر المحليين بمحاولة غشي، فقلت له: "ستلتهمك الجوارح ببطء شديد."



وكان من ضمن ما قالته لي عاملة الفندق أنه لا يسمح للنساء بمشاهدة هذه الطقوس لأنهن "غير طاهرات"، لكنني لم أسمع ذلك من غيرها. ويبدو أن كبار الكهان "اللاما" لا يخضعون لهذه الطقوس إذ أنهم يدفنون في قبور بعضها داخل الأديرة كما رأيت ذلك في مقر قصر "بوتالا" وهو مقر "الدلاي لاما" السابق ومركز الحكم التاريخي في التبت في العاصمة "لاسا".


ربما لم تكن تلك التجربة التي حدثت في منتصف شهر أكتوبر 2009 مواجهة مباشرة مع الموت، ربما لم يضع ذاك الرجل السكين بالقرب من رقبتي، ولكنها بجميع الأحوال كانت تجربة لا تنسى. وجعلتني أفكر إثر حدوثها في مسائل كثيرة. ربما كان ذلك الشعور عندما كنت أركض هارباً أقرب بشعور الطريدة الفارة من مفترس. لكنه لم يكن كذلك الشعور بالخوف الذي يجمدك مكانك. لم أشعر للحظة كما فعل بطل "كافكا" في رواية "المحاكمة" عندما أخذه رجال لذبحه في نهاية القصة بعد محاكمة عبثية طويلة فلم يثر أي ردة فعل.


لكن لعل ثمة اختلاف في الأمر، لعل نضال "كي" عبر الرواية للخروج من مأزقه هو مرحلة "الركض من أجل البقاء" وهي المرحلة التي مررت بها لحظة هروبي. في حين كانت لحظاته الأخيرة هي أشبه باستسلام الطريدة المنهكة لمفترسها بعد مطاردة طويلة، حيث تجلس تاركة للوحش المجال لإكمال مهمته من دون أن تقاوم.


على كل حال، فقد كان رد فعلي الغريزي هو الركض بأقصى سرعة ممكنة. والغريب في الأمر أن حلماً كان قد راودني قبل يومين من الحادثة وأيقظني بشعور شبيه إلى حد كبير بذلك الذي انتابني لحظة هروبي؛ وهو رغبة ملحة في البقاء حياً في الوقت الذي يحاصرني فيه أناس يصرّون على النيل مني.




وفور مغادرتنا "دير دريغونغ" ذهبنا إلى مطعم قريب لكن قبل أن ندخل المطعم البسيط الموجود على طريق أسفل سفح الجبل الذي بني عليه الدير جال في خاطري إن كنت سأستطيع أكل اللحم بعد رؤية ذاك المشهد. ولكي أمنع ذلك من الحدوث قررت أن أتناول زلابية باللحم، وهي نوع من المعجنات الصينية المحشوة باللحم أو الخضار وتطهي بالبخار. كان الشعور غريباً لا سيما أن الزلابيا كانت خالية من اية توابل، لكني واصلت أكلها.


ثم بدأت الكثير من الأفكار تعبث بي. ربما أكثرها إلحاحاً كان الرغبة في أن اقوم بفعل شيء مثير ومدر للأدرينالين مثل القفز المظلي من طائرة. وهو لربما شعور طبيعي لدى الكثيرين من الناجين من حوادث، لكنني أبالغ في تحليل شعوري وردة فعلي إثر هذه التجربة التي تبدو تافهة بالمقارنة بتجارب أخرى. أحد أصدقائي أصيب بستة رصاصات في جسده دفعة واحدة. تلك مواجهة حقيقة مع الموت غيرت من حياة صاحبها إلى الأبد. أما تجربتي هذه فلا تبدو سوى أمثولة تظهر لنا الخوف الشديد الذي يقبع في أعماقنا من الموت. من الفناء.


عجيبة هي الطريقة التي تعمل فيها أدمغتنا، غير أنها ذات كفاءة عالية في الوقت ذاته. زميلتي قالت بعد فترة أنها تفهمت هربي من الرجل وأن استجابتي كانت طبيعية. لكن الموضوع أرّقني وبت أفكر لفترة طويلة بأن أتعلم بعض الفنون القتالية التي قد تمكني من الدفاع عن نفسي في مثل تلك الحالة. لكن رجلاً متمرساً في فنون القتال أخبرني أن ثمة أشياء من الصعب صدها كالأسلحة النارية والسيوف أو السكاكين الطويلة وأن التصرف العقلاني في تلك الحالة الهرب وليس المواجهة.


لكنني لم أتوقف عند ذلك. فكرت فيما كان سيحدث لو أنني بقيت مكاني. عاملة الفندق طمأنتني أن الرجل ما كان ليفعل شيئاً وأن غضبه كان لمجرد أنني أثرت الطيور المقدسة ولأنني كنت أصور في المكان. هل كان بإمكاني أن أركض بعد التأكد من أن كل من حولي قام بذلك أولاً؟ ربما. لكنني أقنع نفسي دوماً بأن الرجل كان يلاحقني أنا بالذات وليس غيري. أنا كنت الهدف. وحين نظرت خلفي كان يلاحقني فيما يرفع سكينه الملطخة بالدم.


لكن هل كان ثمة مجال للتفكير أو لنقل للشجاعة؟ ربما.


ما أعرفه الآن هو أن كثيراً ممن يختارون أن يكونوا شجعاناً إلى حد الحماقة ينتهي بهم الأمر بأن يكونوا "شهداء" في حين أن كثيراً ممن ينتهجون العقلانية إلى حد الجبن يكونون من الناجين. وثمة مجال واسع للخيارات الأخرى بين هذين النقيضين: الشهداء والباقون.


كتب في: الأحد 13 يناير 2013

************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص والصورة للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص والصورة المرفقة أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.  

0 comments:

Post a Comment

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More