Friday, 4 April 2014

عن الوجود والكون والعدم



ينطلق التحليل التالي من أساس أن اللغة، بجميع مستويات استخدامها، تحمل في طياتها ليس مجرد دلالات آنية ووظيفية، بل تعكس أيضاً المفاهيم المعرفية والأصولية (الابستمولوجية والانطولوجية) لدى الشعوب التي تستخدمها. وهذا النوع من التحليل ليس جديداً، فقد دأب على توظيفه الكثير من الفلاسفة، لاسيما الألمان من أمثال نيتشه وهايدجر.

ونحاول هنا أن نسلط الضوء على معنَيَيْ الوجود والكون في العقلية العربية عبر إلقاء الضوء، بإيجاز، على التعريف والاستخدام اللغوي للكلمتين.


وجود الشيء يرتبط بالقدرة على إيجاده، بمعنى أن الوجود مرتبط فقط بقدرة الإنسان الحسية على تمييز شيء ما. فإن قلت "أنا موجودٌ" فإن ذلك يعني أنه يمكن إدراكي من قبل ذاتي أو غيري ولا يعني بالضرورة أنني كائن بحد ذاتي ومن دون الحاجة إلى إثبات. فالوجود من ناحية لغوية محضة، وهنا نقصد اللغة العربية فقط، لا يعني أنني ذو جوهر يسبق تجلي ذاتي إلى عالم المدركات. فالوجود والموجود في اللغة العربية إذن هو إشارة إلى ما يمكن إداركه حسياً وعقلياً.


لذا فإن وجود الله في المفهوم الإسلامي لا يعني إدراك ذاته وإنما إدراك آياته. فآيات الله في الكون هي نوع من التجلي الإلهي.


ومعاجم اللغة العربية تشير بشكل واضح إلى كون دلالة كلمة وجود تعكس مفهوم معنى الوجود لدى متحدثي اللغة الأصليين. فابن فارس يقول: "الواو والجيم والدال، يدلُّ على أصلٍ واحد، وهو الشي يُلفيه". وفي الصحاح: " وَجَدَ مطلوبه يَجِدُهُ وُجوداً".


ولا يعني عدم الوجود النفي. فالقول "فلان غير موجود في البيت" لا ينفي وجود الشخص على الإطلاق وإنما يخص أو يحد عدم وجوده في مكان بعينه. وبالتالي فإن الشيء، المتحرك والمتنقل، في حالة مستمرة من الوجود واللاوجود. وكأن الوجود في العقلية العربية هو حالة مستمرة من الظهور والاختفاءأ، التجلي و اللاتجلي، كما هو الحال في المفهوم الهايدجري.


وفي المقابل نرى كلمة أخرى مرتبطة معنوياً بالجذر وجد وهي "كون" التي تحمل دلالات تعبر عن درجة أخرى من الوجود في الذهن العربي. فيعرف صاحب اللسان "الكون" بـ"الحَدَث." وفي القاموس المحيط: "وكَوَّنَهُ: أحْدَثَهُ،و(كون) اللُّه الأشْياءَ: أوْجَدَها." فمعنى كوّن الأشياء هنا إذن هو أنه أخرجها من حيز اللامدرك إلى حيز المدرك. وبالتالي يتطابق المعنى اللغوي مع المفهوم الصوفي للكلمة إذ أن قول الخالق لشيء "كن فيكون" هو إخراج لذات الشيء من دائرة العلم الإلهي إلى حيز المدرك، من حيز اللامتجلي إلى المتجلي.


ويقودنا هذا الفهم إلى النزوع إلى نفي الحدوث عن الكون إذ أنه من خلق الله، وذلك على فرض أن كلام الله جزءاً منه وأن إرادته أيضاً جزءاً منه، فإن أراد أن يقول "لشيء كن فيكون". فلا بد إذن من وجود خلق الله بشكل جوهري قبل تجليه، أي بمعنى أن له نوع من الوجود في نطاق الإرادة الإلهية وليس أنه موجود مادياً.


وفي الوقت ذاته لا يمكن وصم الكون بالأزلية إذ أن هذه الصفة لا تنطبق إلا على الجوهر الأول وهو الله. وبالتالي لا بد من وجود حد ثالث يقع ما بين أزلية وحدوث الكون. لعل برزخ ابن عربي هو الحل؟ بمعني أن كل ما "هنالك" هو في حالة برزخية قبل تجليه.


والسؤال هنا، ماذا بعد وصول الكون إلى مرحلة الإنتروبيا أو الاضمحلال، هل سيؤول إلى العدم؟ وهل ثمة "عدم" في علم الله؟

الجمعة 6 ديسمبر 2012

************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص

تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص والصورة للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص والصورة المرفقة أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.  

0 comments:

Post a Comment

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More