لا أدري ماذا يحدث للغة العربية؟ هل سينتهي بها المطاف إلى مزيج غريب من لغتين. ولا أعنى هنا تناثر بضعة كلمات من لغات أجنبية خلال محادثة أو نص، فلا ضير في ذلك وإن كنت شخصياً لا أحبذه لا سيما إن توفر البديل العربي. لكن المشكلة هي في استخدام جملاً كاملة من لغة أخرى في سياق الحديث بما في ذلك استخدام الحروف والأدوات.
ورأيت اليوم مشهداً بشعاً في إحدى القنوات العربية استخدم فيه ضيف أحد البرامج كماً كبيراً من الكلمات والجمل الإنجليزية إلى حدٍ استفزني ووجدت نفسي أقول لزوجتي أنه كان من الأفضل أن يتحدث باللغة الإنجليزية فقط وأن يترجموا كلامه إلى العربية كما تفعل القنوات في العادة مع الضيوف الذين لا يتحدثون اللغة.
ما يحدث هنا في ظني هو فقدان كامل لثقتنا بأنفسنا كعرب، أو كمستخدمين أصيلين للغة العربية. فنحن نعيش الآن في أوج أزمة تارخية وحضارية، وهي بذاتها امتداد لمجموعة من الإنحدارات التاريخية التي ترجع لقرنين من الزمن على أقل تقدير. وتزامن مع هذا الإنحدار انفصام غير طبيعي عن موروثنا الثقافي والحضاري وفقدان لثقتنا بلغتنا. وفي خضم كل ذلك، يبدوا أننا نسينا أهمية اللغة كأداة أساسية في أي نهوض حضاري.
ومن منطلق واقعي، فإن الانتشار الواسع للغة الإنجليزية في المدارس والجامعات وبيئة العمل يجعلنا نتصور استخدامها بشكل أو بآخر في الحياة اليومية لكن المشكلة تستفحل عندما نرى هذه اللغة الهجينة تغزو الفضائيات العربية وغيرها من المنابر العامة كالمؤتمرات.
ولا يعني ذلك تبرير انتشار ما دُرِج على تسميته بالعرنجليزي في السياق اليومي. فهذه مشكلة كُبرى بحد ذاتها حيث بتنا نرى طلاب المدارس العرب يتحادثون فيما بينهم بالإنجليزية أو بمزيج من العربية والإنجليزية، ويتبادل موظفو المؤسسات الخاصة والعامة الإيميلات بالإنجليزية وربما يتواصلون خلال العمل باستخدام هذه اللغة. بل وقد نرى مؤتمرات كاملة تعقد باللغة الإنجليزية رغم أن غالبية حاضريها ومشاركيها من العرب.
ودعني هنا أنقل المشكلة إلى مستوى آخر حيث يعمد الكثير من الناس، وأعد فيهم نفسي، إلى البحث عن تعليم أبنائهم باللغة الإنجليزية وذلك لسوء جودة المدارس العربية ومناهجها من جهة ولأن سوق العمل يتطلب في الغالب معرفة لا بأس بها باللغة الإنجليزية. وهذا الأمر ينطبق أكثر على دول الخليج العربي أكثر من غيرها ولكني على ثقة من أن هذه الظاهرة ستنتشر قريباً في باقي الدول الناطقة بالعربية.
لذا فإن الحل لا يكمن في الدعوة الصماء إلى استخدام اللغة العربية، بل في تنمية المناهج العربية وتنمية اللغة العربية ذاتها بحيث تستوعب المفاهيم الجديدة التي تغزو حياتنا. كما يكمن الحل في أن تحث بل تجبر الحكومات أربات العمل ومديري الشركات على استخدام اللغة العربية في المراسلات والمنشورات حيث أمكن.
وبالتوازي مع ذلك، فإننا بحاجة إلى زيادة المحتوي العلمي والمعلوماتي عموماً باللغة العربية، سواء كان محتوى أصيل أو مترجم. ويبدأ ذلك بتوفير "موارد" معلوماتية تعالج مختلف التخصصات. والحديث عن الموارد هو أمر ذو شجون، ولعل ضآلة المحتوى العربي على الإنترنت لدليل على ذلك.
وما أعنية بالموارد هنا هو كتب أو مواقع إلكترونية توفر مواد باللغة العربية مثل تلك المتعلقة بالمساعدة على إنجاز المكاتبات الرسمية ومكاتبات الأعمال. ومحتوى الموارد يشمل أيضاً أدلة صناعات معينة كدليل لممتهني تخصص في الطب أو دليل للصيادلة.
وكل ذلك لا يمثل سوى جزء من الحل إذ أن قوة اللغة العربية تكمن في قوة مستخدميها، وأنا على ثقة بأنها ستستعيد قوتها عندما نستعيد مكاننا في التاريخ. وإلى أن يحدث ذلك يكمن دور الجيل الحالي من مستخدمي اللغة العربية في أن يحافظ عليها من الزوال أو التشوه. فعلى أقل تقدير، يمكن أن يشار إلينا في مرحلة ما من تاريخ هذه اللغة أننا ساهمنا في إنقاذها، وإن هذا بلا شك لشرف عظيم.
الجمعة، 27 مارس 2015
************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص والصورة للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص والصورة المرفقة أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.

0 comments:
Post a Comment