Wednesday, 3 July 2013

دليل للسفر عبر الزمن


في مشهد من الفيلم الأمريكي "طروادة"، يخاطب الملك اليوناني "أغاممنون" البطل "أخيل"، بعدما يلحظ غروره وعدم اكتراثه، قائلاً: "التاريخ يذكر الملوك، لا الجنود!" ويحدوني هذا المشهد لسؤال طالما راودني: من يصنع التاريخ؟ هل هم الملوك؟ الجنود؟ الشعراء؟ العلماء؟ المدونون؟ المغردون؟ الناشطون؟ رجال الأمن؟ تطول القائمة.

و لننظر كذلك إلى مثل من إرثنا العربي، وهو علاقة المتنبي بسيف الدولة الحمداني. هل كان للحمداني أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه لولا علاقته بالمتنبي؟ وبالطبع يمكن السؤال هنا إيضاً إن كان لشهرة المتنبي أن تطبق الآفاق لولا رعاية الحمداني له؟
لكن ما يهم هنا ليس مجرد السؤال عمن تفضل على الآخر، بل من منهم كان صانعاً للتاريخ بحق. لكل منا بالطبع دوره في بلورة مسار التاريخ وإن لم يذكرنا هذا الأخير. فرب فعل لا نلقي له بالاً يستحيل إلى حدث ينقلب إلى حدث محوري، ورب فراشة تهز جناحيها لتنقلب النسمة التي ولدت من رفرفتها إلى عاصفة هوجاء.

غير أننا إذا نظرنا إلى فعل الحمداني كملك كثرت معاركه وغزواته وكراع للعلماء والأدباء، فإن صناعته للتاريخ كانت وقتية أي أنها ارتبطت في معظمها بزمانه، رغم أنه من الممكن أن نفترض أن بعضاً من أفعاله لا زالت تؤثر في حياة بعضنا إلى يومنا هذا بشكل أو بآخر. فمن الممكن، بل ولربما المرجح، أن يكون فعل الحمداني نافذاً في التاريخ رغم عدم حضوره بشكل ملموس كما هو الحال في شعر المتنبي الذي أتاح له أن يترك أثراً متعدياً في التاريخ. فكم من جيل تربى على أبيات الحكمة والحماسة والفخر التي يذخر بها شعر أبي الطيب.
ويقودني هذا إلى التفريق بين نوعين من الفعل. أحدهما يخترق أثره الزمن رغم عدم حضوره أما الآخر فهو الذي يسافر عبر الزمن بشكل ملموس.
فمثل الأول هو معركة قام بها، فرضاً، ملك من الملوك أدت إلى تحويل لغة وديانة وحتى التركيبة العرقية لمنطقة ما. فرغم عدم تعدي هذ الفعل زمانه، إلا أن أثره لا قد يكون حاضراً وملموساً حتى وإن حدث قبل مئات أو آلاف السنين. ومثل الآخر هو الشعر والأدب والقوانين والكتب المقدسة والأفكار والاختراعات فهذه جميعاً تمثل تاريخاً متحركاً غير مرتبط بزمان أو مكان، تاريخاً قيد الصناعة على الدوام رغم أن من جبلوه فنوا منذ أمد بعيد.
ومثل الأول أيضاً كحصوة نرمي بها إلى بحيرة صافية فتحدث تموجات تكبر تدريجياً قبل أن تخبو أما في حال الآخر فكأن الحصوة لا تستقر في قعر البحيرة بل تستمر في القفز محدثة تموجات كلما لامست الماء.
فلنقرر إذا أردنا أن نكون جنوداً أم ملوكاً أم شعراء؟ فلكل في النهاية أثره. لكن بعض الأفعال والإنجازات تبدو حية كأنها ولدت لتوها. كأنها انفجرت للحياة للحظتها. ولنتذكر في الوقت ذاته أن ثمة فراشات كثيرة أيضاً صنعت التاريخ دون أن يذكرها أو يبجلها. فلكل فعله و أثره، لكن التاريخ يفتح أوسع أبوابه في النهاية لمن يقرر أن يطرقها.

الخميس 27 حزيران 2013



************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص والصورة للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص والصورة المرفقة أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.  





0 comments:

Post a Comment

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More