Thursday, 19 December 2013

التبت: طقوس الدفن في السماء


الارتفاع شاهق. أربعة آلاف متر أو أكثر فوق موج البحر. قلة الأكسجين في الهواء جعلتنى أهيم في تجربة روحانية لا هي صوفية ولا هي بوذية بل حالة من الانتشاء لا أكثر. وبينما كنت أمشي وزميلتي المصورة الفوتوغرافية على سفح أحد جبال هضبة التبت العظيمة بعد قضاء ليلة في فندق تابع لأحد الأديرة البوذية لفتني شيء في أعلى قمة الجبل التي لا تبعد كثيراً عن الشِعب الذي كنا نسلكه: نسر وغراب يقفان بمحاذاة بعضهما البعض في مشهد مريب. علامَ يجتمع نذيرا الموت؟ فكرت في ذاتي بنوع من العفوية.

Monday, 28 October 2013

معركة الذات


من الصعب كسب معركتنا الدائمة مع ميلنا الطبيعي لحب الذات أو ما تعبر عنه الثقافة الإسلامية بـ"النفس" وما يشار إليه في علم النفس بـ"الأنا الأعلى" لكونه الحارس اليقظ الذي يهب لحماية صاحبه من أي نوع من الضرر المادي أو المعنوي.

Monday, 14 October 2013

هل شعرت يوماً؟




هل شعرت يوماً أن قلبك فارغ من كل شيء؟ أنك أشبه بآنية فارغة لا روح فيها؟
هل شعر يوماً بأن قلبك بركان خارج عن السيطرة؟
هل شعرت يوماً أن الحياة قد تتوقف في لحظة غير مجيدة؟
هل سبق وأن اعتصر قلبك ألم وجودي عنيف؟

Saturday, 7 September 2013

تجسيد الحرية



هلاّ حدثتني عن أولي العقل من الأولين؟
لا يخشى أولو الألباب من بسط أرائهم،
ولا يرجون فرضها على المستضعفين.
لا يسعون لإنجاز أعمال بطولية،
ولا يحيكون المؤامرات.
لا يندمون على زلاتهم،
ولا يغويهم النجاح.

Sunday, 28 July 2013

شيمة الصبر


كانت أمي تقول لي دائماً "بصلتك محروقة" وهو مثل فلسطيني يطلق على من لا يتحلى بالصبر ولا يتأنى في أداء أموره. فالبصلة إذا ما شويت على حرارة شديدة احترقت من الخارج ولم تنضج من الداخل، لكن بقليل من التأني وقدر أقل من الحرارة تنضج كاملة.

Friday, 12 July 2013

شذرات

أجمع في هذا القسم مجموعة من الخواطر والأقول المقتضبة والملاحظات العامة حول قضايا ومواضيع متنوعة.

***
- البراءة هي عدم الخبرة. نخرج من طياتها بمجرد أن نُعاني ونُختَبر، ونجعل مَن حَولَنا يعانون. لم تكن البراءة حالة دائمة أبداً، فهي غشاء أقل سُمكاً وأكثر عُرضة للهتك من غشاء البكارة. البراءة حالة مؤقتة جداً.
  
أول الكتابة الحنين إلى الكتابة.

إذا كسروا قلمك، فلتكتب في مخيلتك إلى أن تسقط السماء عليك قلماً ربما يكون عصياً على الكسر.

- يعرف ابن حزم الظاهري الحق بأنه "كون الشيء صحيح الوجود" والباطل بأنه "ما ليس حقاً." فيما يعرف ابن فارس الباطل في مقاييس اللغة بأنه: "ذهاب الشيء وقِلَّة مُكثه ولُبْثه" وفي مادة حق يقول: "وهو يدل على إحكام الشيء وصحّته." وبهذا يرتبط الإيمان العقدي، بأن الحق ظاهر لا محالة وأن الباطل زائل، بالتعريف اللغوي الأصيل للكلمات.

- إذا نظرنا للشيء عن بعد فسيبدوا جميلاً أو خال من العيوب، وإذا اقتربنا منه ستظهر شوائبه وعيوبه. أما إذا نظرنا في عمقه فسنذهل لجماله، ذلك أن المعرفة الحقيقية تكمن في عمق الأشياء. والمعرفة رأس الجمال.

- لا تكمن مأساة الإنسان في الموت وإنما في أن يرد إلى أرذل العمر.

- اسلك الزقاق المظلمة واكتشف ذاتك، إذ لا بد للنفس أن تضل قبل أن تهتدي.

- المزاح هو طريقة سهلة لقول الحقيقة بدون مقدمات. هي أحد أكثر الطرق إبداعاً للتعبير عن حقيقة أنفسنا.

- التندر عن أنفسنا هو واحدة من طرائق البقاء الاجتماعي التي تمكننا من تبرير سلوكنا دونما تحرج أو حياء.

- عقلية القطيع: غائب الذهن، تابع.

- يشبه البشر القطط المنزلية -- فهم لطيفون عموماً غير أنهم يذهبون للقنص فورما يتوارون عن الأبصار.

- إن الطبيعة البشرية هي بالضرورة حيوانية، غير أننا نروضها ونطلق عليها "إنسانية".

- تأمل: بعض أضخم المخلوقات التي تجوب المحيطات تتغذى على بعض أصغر الحيوانات.

- لا ديمومة للكمال، والعبرة في هذا المثل: ثمة تصميم هندسي على نافذة زجاجية. وفي مقابل هذه النافذة يقبع ذات التصميم على حائط. يتحرك ظل النافذة طوال النهار عاكساً الشكل الهندسي على الحائط حتى يتطابق في مرحلة ما نظيره. هذا التاسق التام بين الظل والشكل لن يدوم سوى لحظة أو ربما أقل.

- ما كان يوماً يسمى الرغبة، هو الآن حديقة مجبولة من نار.

- في أودية الرغبة الحالمة، كل شيء يسير نحو الفناء.

- لما ربت الجنة وتم كمالها، قذف بها إلى الجحيم.

- مرادف اللذة الهلاك، ومرادف الهلاك اللذة، أحياناً.











************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص والصورة للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص والصورة المرفقة أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.  

Monday, 8 July 2013

الشيء عين نقيضه

هذا يُبصَر كذاك
،وذاك يبصر كهذا.
وذاك يعتمد على هذا،
وهذا هو صورة من ذاك.
الشيء يأتي من نقيضه،
وكلٌ لا يمكن عزله عن
الآخر.
فلا خير بلا شر.
ولا حياة بلا موت.
ولا صدق بلا زيف.

Wednesday, 3 July 2013

دليل للسفر عبر الزمن


في مشهد من الفيلم الأمريكي "طروادة"، يخاطب الملك اليوناني "أغاممنون" البطل "أخيل"، بعدما يلحظ غروره وعدم اكتراثه، قائلاً: "التاريخ يذكر الملوك، لا الجنود!" ويحدوني هذا المشهد لسؤال طالما راودني: من يصنع التاريخ؟ هل هم الملوك؟ الجنود؟ الشعراء؟ العلماء؟ المدونون؟ المغردون؟ الناشطون؟ رجال الأمن؟ تطول القائمة.

و لننظر كذلك إلى مثل من إرثنا العربي، وهو علاقة المتنبي بسيف الدولة الحمداني. هل كان للحمداني أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه لولا علاقته بالمتنبي؟ وبالطبع يمكن السؤال هنا إيضاً إن كان لشهرة المتنبي أن تطبق الآفاق لولا رعاية الحمداني له؟
لكن ما يهم هنا ليس مجرد السؤال عمن تفضل على الآخر، بل من منهم كان صانعاً للتاريخ بحق. لكل منا بالطبع دوره في بلورة مسار التاريخ وإن لم يذكرنا هذا الأخير. فرب فعل لا نلقي له بالاً يستحيل إلى حدث ينقلب إلى حدث محوري، ورب فراشة تهز جناحيها لتنقلب النسمة التي ولدت من رفرفتها إلى عاصفة هوجاء.

غير أننا إذا نظرنا إلى فعل الحمداني كملك كثرت معاركه وغزواته وكراع للعلماء والأدباء، فإن صناعته للتاريخ كانت وقتية أي أنها ارتبطت في معظمها بزمانه، رغم أنه من الممكن أن نفترض أن بعضاً من أفعاله لا زالت تؤثر في حياة بعضنا إلى يومنا هذا بشكل أو بآخر. فمن الممكن، بل ولربما المرجح، أن يكون فعل الحمداني نافذاً في التاريخ رغم عدم حضوره بشكل ملموس كما هو الحال في شعر المتنبي الذي أتاح له أن يترك أثراً متعدياً في التاريخ. فكم من جيل تربى على أبيات الحكمة والحماسة والفخر التي يذخر بها شعر أبي الطيب.
ويقودني هذا إلى التفريق بين نوعين من الفعل. أحدهما يخترق أثره الزمن رغم عدم حضوره أما الآخر فهو الذي يسافر عبر الزمن بشكل ملموس.
فمثل الأول هو معركة قام بها، فرضاً، ملك من الملوك أدت إلى تحويل لغة وديانة وحتى التركيبة العرقية لمنطقة ما. فرغم عدم تعدي هذ الفعل زمانه، إلا أن أثره لا قد يكون حاضراً وملموساً حتى وإن حدث قبل مئات أو آلاف السنين. ومثل الآخر هو الشعر والأدب والقوانين والكتب المقدسة والأفكار والاختراعات فهذه جميعاً تمثل تاريخاً متحركاً غير مرتبط بزمان أو مكان، تاريخاً قيد الصناعة على الدوام رغم أن من جبلوه فنوا منذ أمد بعيد.
ومثل الأول أيضاً كحصوة نرمي بها إلى بحيرة صافية فتحدث تموجات تكبر تدريجياً قبل أن تخبو أما في حال الآخر فكأن الحصوة لا تستقر في قعر البحيرة بل تستمر في القفز محدثة تموجات كلما لامست الماء.
فلنقرر إذا أردنا أن نكون جنوداً أم ملوكاً أم شعراء؟ فلكل في النهاية أثره. لكن بعض الأفعال والإنجازات تبدو حية كأنها ولدت لتوها. كأنها انفجرت للحياة للحظتها. ولنتذكر في الوقت ذاته أن ثمة فراشات كثيرة أيضاً صنعت التاريخ دون أن يذكرها أو يبجلها. فلكل فعله و أثره، لكن التاريخ يفتح أوسع أبوابه في النهاية لمن يقرر أن يطرقها.

الخميس 27 حزيران 2013



************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص والصورة للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص والصورة المرفقة أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.  





Wednesday, 26 June 2013

بعد عقود من الخبوت، التصوف يشهد انبعاثاً لدى شباب المغرب


فاس، المغرب // كان يوشك أن يؤذن للمغرب في الزاوية التيجانية في مدينة فاس المغربية عندما جلس في الفناء مجموعة من الرجال حول صوان من الألمنيوم وضع عليها أرغفة الخبز المرقق والتمر والحليب وحساء الحريرة المغربي.

Tuesday, 14 May 2013

هل تستحيل اللغة العربية مسخاً؟


يساورني كابوس شبه دائم تستحيل فيه اللغة العربية إلى مخلوق آخر. إلى شيء آخر يفتقر إلى القوة والجمال معاً. كابوس تستحيل فيه اللغة العربية مسخاً. والسبب في ذلك هو إسراف العرب شيباً وشباناً في استخدام الكلمات الأجنبية سواء في الأحاديث اليومية أو الكتابات العلمية والأدبية.

Wednesday, 24 April 2013

The region must reach for its tolerant past




The Arab essayist Al Jahiz wrote an epistle in the ninth century rebuking the segregation of men and women and the perception of singing and poetry as anathema to Islamic values. Even today Arab writers find it hard to express similar views with such boldness.  "If looking at women was illegal or shameful, he would have not done that," he commented regarding an anecdote of a pious man who had long conversations with a woman.

The Arabic language needs a Webster and a Picasso



If there is one thing that I learnt from studying Arabic language and literature during my secondary school years, it was that there is a direct link between political strength and linguistic prowess. Centuries of political and economic frailty and a lack of interest in Arabic language by the ruling elite during Ottoman rule rendered Arabic literature into a tacky and dull baroque. Great efforts were made to ensure that every line of prose or poetry amounted to stylistic perfection. Almost no effort was exerted on meaning.

Four years after leaving Gaza, feuding makes me lose hope



I can’t remember how early I woke up the day I left Gaza. It was still slightly dark when I said my farewells to my parents and brothers and sisters. It’s been a little over four years since that morning and I haven’t been back to Gaza since.

Monday, 22 April 2013

After four years, Gaza remains home

If my first visit home to Gaza after more than four years was a drama, seeing my mother would have been its climax. It would have been the inevitable conclusion that every thread in the story leads to. And it was.

Thursday, 28 February 2013

عندما أصبحت صوفياً



سيدي جمال

بينما كنت جالساً على مائدة الإفطار الرمضانية في الزاوية البوتشيشية في بركان – في ضواحي مدينة وجدة في أقصى شرق المغرب قرب الحدود الجزائرية – في 27 أغسطس 2009، أتى رجل طويل القامة يناهز الستين من العمر وجلس إلى جانبي. لا أذكر إن كنت قمت من الكرسي حين سلمت عليه. جرى الأمر بسرعة. أُذن للمغرب بعد قليل وبدأ جميع الجالسين على المائدة الدائرية بالأكل. كان هناك خمسة أو ستة رجال، كلهم من أتباع الزاوية من أساتذة جامعات ومحامين بالإضافة إلى رجل استرالي.

وُضع على المائدة وعائان كبيران من البورسلان الصيني بداخله كل منهما حساء.الحساء  الأول حريرة، وهي شوربة خضار مغربية تقليدية، والآخر دشيشة، وهي شوربة من الشعير وبعض الخضار وقليل من اللحم. وكان على الطاولة أيضاً ثلاثة أنواع من الخبز؛ أرغفة من الخبز المغربي السميك، وأرغفة صغيرة االحجم مغطاة بنوع من شراب الفواكه، ربما كان خلاصة مربى برتقال، ونوع ثالث يشبه خبز القطايف غير أن حجمه أكبر بكثير وأكثر سمكاً. ووُضع فضلاً عن ذلك تمر، وحلوى تسمى الشباكية، وهي نوع من العجين المقلي والمحلى، ومربى تين كامل القطع.

بدأ الجميع بالأكل. ويفعلون ذلك يتناول الرغيف وقطع جزء منه ثم يقوم الواحد منهم بمناولته لمن يجلس إلى جانبه. قام سيدي جمال - والذي لم أكن أعرف من يكن بعد، لكنني لاحظت من تعامل الآخرين معه أنه ذو أهمية - بصب الحساء لي وبمناولتي الخبز المغطى بالشراب الحلو.

وبينما كنا نأكل أخذ الرجل يتكلم عن الصوفية والتصوف. وكان جل حديثه عن أن التصوف هو أصل الإسلام، وأن الرسول وصحابته كانوا جميعاً من المتصوفين. وجعل يقرأ آيات من القرآن تحث على الذكر. فجأة أصبح فهمي للتصوف أوضح، عرفت كيف يفكر الصوفيون حين يتحدثون عن الذكر وما هي مرجعيتهم القرآنية لذلك.

لاحظت كيف ينصت الجميع بعناية تامة إلى كل ما يقوله هذا الشيخ ذو اللحية البيضاء والجلابية السمراء. كان يتكم بثقة وسكون في الوقت ذاته، وهي السمة التي يتشح بها بعض رجال الدين. في لحظة ما، ملت إلى الرجل الاسترالي الذي كان قد اعتنق الإسلام قبل 16 سنة وسألته إن كان الشيخ ابن سيدي حمزة، شيخ الطريقة البوتشيشية، فَردَّ بالإيجاب.

بعد انتهائنا من الأكل قلت للشيخ - والذي كنت أحادثه بنوع من الأريحية وعدم التكلف، ربما لأنني لم أخضع لقانون الهالة التي تحيط بالمشاهير لسبب بسيط وهو أنني لا أعرفه -  أنني أتمنى أن لو زرت الزاوية في سياق مختلف في مرة قادمة؛ كمريد للطريقة وليس كصحفي. عندها قال الشيخ كلمة سمعتها أو فهمتها على أنها "تتصفح"، فجال في خاطري أنه يحاول أن يعطيني بعض المنشورات حول الطريقة لأتصفحها، ولكنني في الوقت ذاته لاحظت أنه يمدت يده إلي، فمدد يدي إليه بعد ثانية أو اثنتين من التردد ليس من قبيل الرفض بل لعدم إدراكي ما يحدث.

وإذ قمت بمصافحة يده، بدأ الرجل يقرأ آيٍ من القرآن بصوت خفيض، يمكنني سماعه على شكل تمتمة. وبعد انتهائه قام الرجال المحيطون بنا بتلاوة نوع من الدعاء بصوت عال، حاولت أن أردده معهم ولكني لم أستطع لأنني لم أكن أحفظ أي من تلك الأدعية. وبعد انتهائهم من الدعاء الذي دام 10 أو 20 ثانية قاموا بمصافحتي والمباركة لي، وعندها فقط أدركت أنني أصبحت عضواً في الطريقة البوتشيشية.

حدث الأمر بسرعة كبيرة بحيث لم أدرك ماذا كان يحدث إلا بعد وقوعه. وبعد ذلك تغيرت معاملة الجميع من حولي، وأصبحوا فجأة ينادونني بسيدي، وبعضهم يقبل يدي حين أسلم عليه كما يفعل الفقراء أو المريدون مع بعضهم. سألني بعضهم إن كنت أريد الوضوء والصلاة. توضأت ثم قام الرجل الاسترالي بإعطائي جلابية. كان معه جلابيتين، واحدة صفراء والأخرى زرقاء. ارتديت الزرقاء فكانت كبيرة فأعطاني الصفراء والتي كان من الواضح أنها لم تغسل لمدة طويلة حيث فاحت منها رائحة العرق القديم.

بعد صلاة العشاء، أصر الرجل الاسترالي أن يشتري لي جلابية جديدة، وبالفعل ذهبنا إلى المعرض المؤقت التابع للزاوية والذي وضع داخل خيمة كبيرة. اشترى لي جلابية بقيمة 200 درهم مغربي وبنطال داخلي أبيض بقيمة 30 درهم.

نظرات الفرحة كانت بادية على وجوه الجميع بسبب انضمام فقير جديد إلى الطريقة. بعد مصافحتي لسيدي جمال، قام أحد المريدين بإعطائي مسبحة مئوية. مسكها الشيخ وقام، بينما كان يمررها عبر أصابعه، بتلاوة كلام لم أسمعه، ربما مزيج من القرآن والدعاء. المقصد أنه قام بمباركتها. أصر الجميع أنني محظوظ لأنني قمت بمصافحة سيدي جمال لأنه من النادر أن يقوم بذلك.

سيدي جمال هو الرجل الثاني في الطريقة البوتشيشية والخليفة المتوقع لأبيه الذي يقال أنه في أواخر الثمانينيات من عمره، ويقيم حالياً في قرية يقال لها نعمة، تبعد ما بين 70 إلى 80 كم من بركان (لا أعرف بأي اتجاه، لكن غالباً إلى جنوب) نصحه الأطباء بالذهاب إلى هناك بسبب قلة الرطوبة.

وأثناء ذهابنا لصلاة العشاء في مسجد الزاوية، المجاور لمسكن سيدي جمال حيث تناولنا الطعام، قلت للرجل الاسترالي أن الأمر حدث بسرعة بحيث لم أدرك ماذا كان يجري، فقال باستغراب ونوع من خيبة الأمل: "ألم ترد فعل ذلك؟" قلت له بنوع من الجبن: "بلى، أردت". رغم أنني في الواقع لم أدر كيف حدث الأمر. ولكن يجب أن أعترف بأنني من دعاه إلى ذلك بإبدائي الرغبة في المجيء إلى الزاوية كمريد. وهو أمر فيه جانب من الصحة لأنني أردت بشكل شخصي أن أعرف المزيد عن التجربة الصوفية، خاصة بعد زيادة قرائتي لكل من ابن عربي والغزالي.

الزاوية البوتشيشية في بركان
تبعد الزاوية عن بلدة بركان حوالي ربع ساعة بالسيارة. وهي تقع على رأس تلة صغيرة، مواجهة بذلك بساتين كثيرة من البرتقال، وهو المنتج الزراعي الأساسي لهذه القرية. يمكن رؤية الحجر القرميدي اللون  للزاوية من بعد 2كم تقريباً، لدى دخول الشارع المؤدي لها.
هي أشبه بدير من حيث وجود أماكن للسكن والصلاة وأماكن أخرى للراحة والعبادة أيضاً. وثمة مطبخ موجود في قبو إلى جانب المسجد الرئيسي للزاوية. البعض يعيش في الزاوية على الدوام مثل سيدي جمال، والبعض يأتون في مواسم معينة أو أثناء النهار فقط. فالصوفيون ليسوا تماماً زاهدين عن الحياة مثل الرهبان المسحيين أو البوذيين.

الزاوية هي مؤسسة كاملة يتزعمها الشيخ ويدير أنشطتها المختلفة مجموعة من المسئولين. فهناك من يتابع أمور المريدين الجدد، وهناك من يقفون بالمرصاد لمراقبة الغرباء لا سيما الصحفيين. هذا الدور الرقابي، أظهر الحرص العميق للمشرفين على الزاوية أن لا يظهر هذا المكان كمرتع للبدع كما يصوره السلفيون. بطبيعة الحال، من يقوم بهذا الدور الرقابي هم أناس مسئولون عن أنشطة تعليمية وتنظيمية أخرى، لكن وجودي كصحفي غريب وضعهم في موقف حرج، ولم يعرفوا كيف يتصرفون حياله.

سيدي خالد
سبب لقائي بسيدي خالد هو رغبتي في التعرف على شخص مريد لأحد الطرق الصوفية منذ زمن، والهدف من ذلك الكتابة عن تجربته وكيف أثرت على حياته العملية والروحية. كان من الواضح منذ البداية أن خالد رجل عملي، فهو يشغل عدة عدة مناصب حكومية وأكاديمية. لا بأس من ذلك بالطبع، فهدفي في النهاية هو معرفة كيف يمكن لشخص أن يكون صوفياً دون أن يتخلى عن حياته المهنية.

لكن الغريب في أمر خالد، وهذا اتضح تدريجياً خلال اليومين الذين مكثتهما معه، أن الرجل بيروقراطي ديني أكثر من متصوف روحي. والسبب في ذلك هو أنه كان يحاول دائماً الحفاظ على صورة معينة للزاوية، وبالتالي فإن تصوير المطبخ القذر مثلاً استحال إلى كارثة.

والأكثر من ذلك هو أن سيدي خالد من النادر أن يبتسم، على عكس بقية المريدين. من الممكن أن يكون الإنسان عابساً بالطبيعة، يمكن الجدل حول ذلك. لكن مشكلة خالد أن وجهه كان خالياً من أي نوع من السكينة التي من المفترض أن ترسيها وتطبعها التجربة الروحية في وجه المريدين.

سي أحمد


كان اللقاء الأول مع سي أحمد في أواخر شهر أغسطس بعد الظهر في دار دباغة سيدي موسى في قلب مدينة فاس القديمة. كان الرجل ذو اللحية البيضاء الخفيفة يقف في حوض مليء بالجلد وأمامه بركة قذرة ملئى بمخلفات جلد الخراف وتفوح منها رائحة مقيتة تشبه رائحة الحظائر غير أن روائح أخرى من الصعب تمييزها كانت تملأ المكان أيضاً.

كان يقوم بعمل واحد وهو فتح الجاعد المغلق وإزالة بعض الأجزاء الزائدة ورميها في البركة التي أمامه. تحدثت معه على عجلة اثناء عمله ولم أحصل على الكثير لصعوبة فهم لهجته المغربية وعدم فهمه لهجتي الفلسطينية أو الفصحى. لكن بعد قضاء نصف يوم تقريباً معه وتناول وجبة الإفطار في بيته أصبح من السهل لكلينا التواصل.

سي أحمد هو صوفي حقيقي بالرغم من عدم ممارسته للتصوف. هو صوفي عارف، ويكمن ذلك في رضاه العميق بنصيبه رغم وفاة عدة أبناء له، أحدهم كان في العشرين من عمره.

يمتلئ وجه سي أحمد بسكينة لم أجدها في متمرسي التصوف، هي سكينة البسطاء الذين يعيشون حياتهم على نسق واحد. يذهبون إلى العمل، يصلون، يتبضعون لوجبة اليوم، يقضون وقتاً مع الأسرة وآخر مع الأصدقاء في أحد المقاهي المحلية. يتابعون الأخبار ويتأثرون لمآسي الإنسانية.

سي أحمد هو الإنسان كما ينبغي أن يكون. ينشغل بهمومه وهموم الآخرين دون مبالغة، دون يأس، دون قلق. هو أشبه بالرجل العجوز صاحب العبّارة في قصة "سيدارثا" للكاتب "هيرمان هيسه". فهو يستمد حكمته، ربما، من المدبغة، من الجلود والمراحل التي تمر بها؛ من جزء لا يتجزأ من كائن حي إلى حقيبة أو حذاء، كما كان صاحب العبّارة يستلهم الحكمة من النهر الذي يجري أمامه بلا توقف. سي أحمد هو كل ما لا يتمتع به سيدي خالد. هو السكينة والرضا والطمأنينة. هو الناسك دون أن يدري بذلك، هو العارف برسم وجهه لا بلقب سعى لأجله.

بعد لقاءاتي بالصوفيين وحديثي معهم حول تجاربهم الروحانية، والحال الذي يمرون به إثر الذكر المطول وبعد زيارتي لعدة أديرة بوذية في أعالى جبال التبت، اتضح لي أن التجربة الصوفية، والتجربة الدينية ببعدها الروحي وما تنتج عنه من تجليات وانكشافات، هي تجربة اصطناعية لا تقل في تكلفها عن تجربة الشامانات في الحضارات البدائية  والذين يتعاطون المواد المخدرة والمهلوسة لأجل الوصول إلى تجارب روحانية معينة.

يبدو لي الآن أن سعادة سي أحمد، التي ربما لا يشعر بها، تفوق سعادة الكثير ممن خاضوا غمار التجربة الصوفية أو غيرها من التجارب المثيلة.

من الواضح بالطبع أن التجربة الصوفية، عبر ممارسة الذكر، تهدف إلى الوصول إلى أبعاد ذات طبيعة مختلفة من المعرفة وليس مجرد البحث عن المتعة الوقتية أو الدنيوية، لكن المشكل في هذا الأمر أن هذه الحالة العقلية التي يبتغون الوصول إليها هي ذات الحالة التي يصبوا إليها الشامانات أو حتى راقصي القبائل البدائية.

وبالتالي أصبحت بعض ممارسات المتصوفين ليس طريقاً للسعادة الدنيوية أو الأخروية، بل تجربة معرفية آنية صرفة. تجربة معرفية بديلة يمكن الوصول إليها عن طريق تغير حالة الوعي إلى حالة بديلة عبر وسائل مختلفة ليس من الضروري أن تكون مرتبطة بإيمان ديني أو عقيدة. لعل الكثير مما يعتقدون أنها كشوفات ربانية هي نشاطات "عقلوعصبية" حُفزت عبر إخضاع الشخص لمؤثرات حسية قوية، في هذه الحالة جلسات الذكر المطولة.

لكن ثمة احتمالات قد تكون أكثر عمقاً من ذلك، وهي كما افترض أحد العلماء المتدينين أن الله إذا أراد التواصل معه فإنه سيفعل ذلك حتماً عبر جهازه العصبي ولن يكون ذلك في عالم برزخي.
وبصرف النظر عن هذا التنظير الروحاني، فإننا إذا كنا نبحث عن منهج للسعادة في حياتنا، لربما آنستنا حياة سي أحمد البسيطة ببصيص من الحكمة العادية. الحكمة البسيطة الممتنعة، التي نراها مرتسمة على وجوه بعض الناس دون أن يدرون أنها تسكن جباههم وعيونهم.


كتب الجزء الأكبر من هذا المقال في الطريق في القطار من فاس إلى الدار البيضاء- قطار يوم الثلاثاء، الموافق 1 أيلول 2009

Photos by: Nicole Hill

************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لنص للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.  

Tuesday, 12 February 2013

رفح: بين دقات الساعة وأزيز الرصاص



الأحد: 23 أيار 2004، 2:30 صباحاً - لازلت أسمع دقات الساعة بوضوح رغم صوت طائرة التجسس الإسرائيلية التي لم تمل من مراقبة مدينة رفح لليوم السادس بلا انقطاع. خلد جميع الصحفيين الذين جاءوا من كل حدب وصوب إلى النوم بعد يوم شهد هدوءاً نسبياً رغم مقتل طفلة لم تتجاوز الخامسة من عمرها في العاشرة والنصف من صباح السبت.

Monday, 11 February 2013

Desire


-In the dreamy valleys of desire, everything dissipates into nothingness.

-What once was named desire is now a garden made of fire. 

-Once made into perfection, paradise was cast into fire.

Sunday, 10 February 2013

عدم



لا شيء. لا شيء سوى الغبار يغطي الدافاتر وأقلام الرصاص الغير مبراة التي تقبع فوق سطح المكتب العتيق في حالة من اللامبالاة السرمدية. لا شيء مكتوب على الأوراق التي استوطن فيها السوس سوى أشباه حروف خُطت منذ أمد. حروف بلا معنى، حروف محطمة وغير قابلة للتركيب، أو حتى لمزيد من التفكيك.






أنت القصيدة


(قصيدة مهداة إلى زوجتي الحبيبة)
سأكتب لك حبيبتي قصيدة،
ترتليها في محراب العشق،
وتعلقيها على أهدابك تعويذة.

تنامي على غيمها،
ترتشفي من غيثها،
ترقصي على وترها،
وتتمايلي على غصنها.
سأكتب لك حبيبتي قصيدة،
تخبئيها بين خصلات شعرك،
وتغنيها كاحتفاء الكون بنجمة وليدة.

حول الإرث الحضاري العربي/الإسلامي


من المهم أن يفهم الإنسان تاريخه بشكل واع. فأهمية التاريخ لا تكمن في مجرد معرفة أحداثه أو في التباهي بماض عريق أو لمجرد تذكير النفس بأحداث غابرة. يجب أن يكون الهدف من دراسة التاريخ هو المعرفة الواعية لماضي الإنسان، بحيث تنعكس هذه المعرفة على واقعه.

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More