Thursday, 28 February 2013

عندما أصبحت صوفياً



سيدي جمال

بينما كنت جالساً على مائدة الإفطار الرمضانية في الزاوية البوتشيشية في بركان – في ضواحي مدينة وجدة في أقصى شرق المغرب قرب الحدود الجزائرية – في 27 أغسطس 2009، أتى رجل طويل القامة يناهز الستين من العمر وجلس إلى جانبي. لا أذكر إن كنت قمت من الكرسي حين سلمت عليه. جرى الأمر بسرعة. أُذن للمغرب بعد قليل وبدأ جميع الجالسين على المائدة الدائرية بالأكل. كان هناك خمسة أو ستة رجال، كلهم من أتباع الزاوية من أساتذة جامعات ومحامين بالإضافة إلى رجل استرالي.

وُضع على المائدة وعائان كبيران من البورسلان الصيني بداخله كل منهما حساء.الحساء  الأول حريرة، وهي شوربة خضار مغربية تقليدية، والآخر دشيشة، وهي شوربة من الشعير وبعض الخضار وقليل من اللحم. وكان على الطاولة أيضاً ثلاثة أنواع من الخبز؛ أرغفة من الخبز المغربي السميك، وأرغفة صغيرة االحجم مغطاة بنوع من شراب الفواكه، ربما كان خلاصة مربى برتقال، ونوع ثالث يشبه خبز القطايف غير أن حجمه أكبر بكثير وأكثر سمكاً. ووُضع فضلاً عن ذلك تمر، وحلوى تسمى الشباكية، وهي نوع من العجين المقلي والمحلى، ومربى تين كامل القطع.

بدأ الجميع بالأكل. ويفعلون ذلك يتناول الرغيف وقطع جزء منه ثم يقوم الواحد منهم بمناولته لمن يجلس إلى جانبه. قام سيدي جمال - والذي لم أكن أعرف من يكن بعد، لكنني لاحظت من تعامل الآخرين معه أنه ذو أهمية - بصب الحساء لي وبمناولتي الخبز المغطى بالشراب الحلو.

وبينما كنا نأكل أخذ الرجل يتكلم عن الصوفية والتصوف. وكان جل حديثه عن أن التصوف هو أصل الإسلام، وأن الرسول وصحابته كانوا جميعاً من المتصوفين. وجعل يقرأ آيات من القرآن تحث على الذكر. فجأة أصبح فهمي للتصوف أوضح، عرفت كيف يفكر الصوفيون حين يتحدثون عن الذكر وما هي مرجعيتهم القرآنية لذلك.

لاحظت كيف ينصت الجميع بعناية تامة إلى كل ما يقوله هذا الشيخ ذو اللحية البيضاء والجلابية السمراء. كان يتكم بثقة وسكون في الوقت ذاته، وهي السمة التي يتشح بها بعض رجال الدين. في لحظة ما، ملت إلى الرجل الاسترالي الذي كان قد اعتنق الإسلام قبل 16 سنة وسألته إن كان الشيخ ابن سيدي حمزة، شيخ الطريقة البوتشيشية، فَردَّ بالإيجاب.

بعد انتهائنا من الأكل قلت للشيخ - والذي كنت أحادثه بنوع من الأريحية وعدم التكلف، ربما لأنني لم أخضع لقانون الهالة التي تحيط بالمشاهير لسبب بسيط وهو أنني لا أعرفه -  أنني أتمنى أن لو زرت الزاوية في سياق مختلف في مرة قادمة؛ كمريد للطريقة وليس كصحفي. عندها قال الشيخ كلمة سمعتها أو فهمتها على أنها "تتصفح"، فجال في خاطري أنه يحاول أن يعطيني بعض المنشورات حول الطريقة لأتصفحها، ولكنني في الوقت ذاته لاحظت أنه يمدت يده إلي، فمدد يدي إليه بعد ثانية أو اثنتين من التردد ليس من قبيل الرفض بل لعدم إدراكي ما يحدث.

وإذ قمت بمصافحة يده، بدأ الرجل يقرأ آيٍ من القرآن بصوت خفيض، يمكنني سماعه على شكل تمتمة. وبعد انتهائه قام الرجال المحيطون بنا بتلاوة نوع من الدعاء بصوت عال، حاولت أن أردده معهم ولكني لم أستطع لأنني لم أكن أحفظ أي من تلك الأدعية. وبعد انتهائهم من الدعاء الذي دام 10 أو 20 ثانية قاموا بمصافحتي والمباركة لي، وعندها فقط أدركت أنني أصبحت عضواً في الطريقة البوتشيشية.

حدث الأمر بسرعة كبيرة بحيث لم أدرك ماذا كان يحدث إلا بعد وقوعه. وبعد ذلك تغيرت معاملة الجميع من حولي، وأصبحوا فجأة ينادونني بسيدي، وبعضهم يقبل يدي حين أسلم عليه كما يفعل الفقراء أو المريدون مع بعضهم. سألني بعضهم إن كنت أريد الوضوء والصلاة. توضأت ثم قام الرجل الاسترالي بإعطائي جلابية. كان معه جلابيتين، واحدة صفراء والأخرى زرقاء. ارتديت الزرقاء فكانت كبيرة فأعطاني الصفراء والتي كان من الواضح أنها لم تغسل لمدة طويلة حيث فاحت منها رائحة العرق القديم.

بعد صلاة العشاء، أصر الرجل الاسترالي أن يشتري لي جلابية جديدة، وبالفعل ذهبنا إلى المعرض المؤقت التابع للزاوية والذي وضع داخل خيمة كبيرة. اشترى لي جلابية بقيمة 200 درهم مغربي وبنطال داخلي أبيض بقيمة 30 درهم.

نظرات الفرحة كانت بادية على وجوه الجميع بسبب انضمام فقير جديد إلى الطريقة. بعد مصافحتي لسيدي جمال، قام أحد المريدين بإعطائي مسبحة مئوية. مسكها الشيخ وقام، بينما كان يمررها عبر أصابعه، بتلاوة كلام لم أسمعه، ربما مزيج من القرآن والدعاء. المقصد أنه قام بمباركتها. أصر الجميع أنني محظوظ لأنني قمت بمصافحة سيدي جمال لأنه من النادر أن يقوم بذلك.

سيدي جمال هو الرجل الثاني في الطريقة البوتشيشية والخليفة المتوقع لأبيه الذي يقال أنه في أواخر الثمانينيات من عمره، ويقيم حالياً في قرية يقال لها نعمة، تبعد ما بين 70 إلى 80 كم من بركان (لا أعرف بأي اتجاه، لكن غالباً إلى جنوب) نصحه الأطباء بالذهاب إلى هناك بسبب قلة الرطوبة.

وأثناء ذهابنا لصلاة العشاء في مسجد الزاوية، المجاور لمسكن سيدي جمال حيث تناولنا الطعام، قلت للرجل الاسترالي أن الأمر حدث بسرعة بحيث لم أدرك ماذا كان يجري، فقال باستغراب ونوع من خيبة الأمل: "ألم ترد فعل ذلك؟" قلت له بنوع من الجبن: "بلى، أردت". رغم أنني في الواقع لم أدر كيف حدث الأمر. ولكن يجب أن أعترف بأنني من دعاه إلى ذلك بإبدائي الرغبة في المجيء إلى الزاوية كمريد. وهو أمر فيه جانب من الصحة لأنني أردت بشكل شخصي أن أعرف المزيد عن التجربة الصوفية، خاصة بعد زيادة قرائتي لكل من ابن عربي والغزالي.

الزاوية البوتشيشية في بركان
تبعد الزاوية عن بلدة بركان حوالي ربع ساعة بالسيارة. وهي تقع على رأس تلة صغيرة، مواجهة بذلك بساتين كثيرة من البرتقال، وهو المنتج الزراعي الأساسي لهذه القرية. يمكن رؤية الحجر القرميدي اللون  للزاوية من بعد 2كم تقريباً، لدى دخول الشارع المؤدي لها.
هي أشبه بدير من حيث وجود أماكن للسكن والصلاة وأماكن أخرى للراحة والعبادة أيضاً. وثمة مطبخ موجود في قبو إلى جانب المسجد الرئيسي للزاوية. البعض يعيش في الزاوية على الدوام مثل سيدي جمال، والبعض يأتون في مواسم معينة أو أثناء النهار فقط. فالصوفيون ليسوا تماماً زاهدين عن الحياة مثل الرهبان المسحيين أو البوذيين.

الزاوية هي مؤسسة كاملة يتزعمها الشيخ ويدير أنشطتها المختلفة مجموعة من المسئولين. فهناك من يتابع أمور المريدين الجدد، وهناك من يقفون بالمرصاد لمراقبة الغرباء لا سيما الصحفيين. هذا الدور الرقابي، أظهر الحرص العميق للمشرفين على الزاوية أن لا يظهر هذا المكان كمرتع للبدع كما يصوره السلفيون. بطبيعة الحال، من يقوم بهذا الدور الرقابي هم أناس مسئولون عن أنشطة تعليمية وتنظيمية أخرى، لكن وجودي كصحفي غريب وضعهم في موقف حرج، ولم يعرفوا كيف يتصرفون حياله.

سيدي خالد
سبب لقائي بسيدي خالد هو رغبتي في التعرف على شخص مريد لأحد الطرق الصوفية منذ زمن، والهدف من ذلك الكتابة عن تجربته وكيف أثرت على حياته العملية والروحية. كان من الواضح منذ البداية أن خالد رجل عملي، فهو يشغل عدة عدة مناصب حكومية وأكاديمية. لا بأس من ذلك بالطبع، فهدفي في النهاية هو معرفة كيف يمكن لشخص أن يكون صوفياً دون أن يتخلى عن حياته المهنية.

لكن الغريب في أمر خالد، وهذا اتضح تدريجياً خلال اليومين الذين مكثتهما معه، أن الرجل بيروقراطي ديني أكثر من متصوف روحي. والسبب في ذلك هو أنه كان يحاول دائماً الحفاظ على صورة معينة للزاوية، وبالتالي فإن تصوير المطبخ القذر مثلاً استحال إلى كارثة.

والأكثر من ذلك هو أن سيدي خالد من النادر أن يبتسم، على عكس بقية المريدين. من الممكن أن يكون الإنسان عابساً بالطبيعة، يمكن الجدل حول ذلك. لكن مشكلة خالد أن وجهه كان خالياً من أي نوع من السكينة التي من المفترض أن ترسيها وتطبعها التجربة الروحية في وجه المريدين.

سي أحمد


كان اللقاء الأول مع سي أحمد في أواخر شهر أغسطس بعد الظهر في دار دباغة سيدي موسى في قلب مدينة فاس القديمة. كان الرجل ذو اللحية البيضاء الخفيفة يقف في حوض مليء بالجلد وأمامه بركة قذرة ملئى بمخلفات جلد الخراف وتفوح منها رائحة مقيتة تشبه رائحة الحظائر غير أن روائح أخرى من الصعب تمييزها كانت تملأ المكان أيضاً.

كان يقوم بعمل واحد وهو فتح الجاعد المغلق وإزالة بعض الأجزاء الزائدة ورميها في البركة التي أمامه. تحدثت معه على عجلة اثناء عمله ولم أحصل على الكثير لصعوبة فهم لهجته المغربية وعدم فهمه لهجتي الفلسطينية أو الفصحى. لكن بعد قضاء نصف يوم تقريباً معه وتناول وجبة الإفطار في بيته أصبح من السهل لكلينا التواصل.

سي أحمد هو صوفي حقيقي بالرغم من عدم ممارسته للتصوف. هو صوفي عارف، ويكمن ذلك في رضاه العميق بنصيبه رغم وفاة عدة أبناء له، أحدهم كان في العشرين من عمره.

يمتلئ وجه سي أحمد بسكينة لم أجدها في متمرسي التصوف، هي سكينة البسطاء الذين يعيشون حياتهم على نسق واحد. يذهبون إلى العمل، يصلون، يتبضعون لوجبة اليوم، يقضون وقتاً مع الأسرة وآخر مع الأصدقاء في أحد المقاهي المحلية. يتابعون الأخبار ويتأثرون لمآسي الإنسانية.

سي أحمد هو الإنسان كما ينبغي أن يكون. ينشغل بهمومه وهموم الآخرين دون مبالغة، دون يأس، دون قلق. هو أشبه بالرجل العجوز صاحب العبّارة في قصة "سيدارثا" للكاتب "هيرمان هيسه". فهو يستمد حكمته، ربما، من المدبغة، من الجلود والمراحل التي تمر بها؛ من جزء لا يتجزأ من كائن حي إلى حقيبة أو حذاء، كما كان صاحب العبّارة يستلهم الحكمة من النهر الذي يجري أمامه بلا توقف. سي أحمد هو كل ما لا يتمتع به سيدي خالد. هو السكينة والرضا والطمأنينة. هو الناسك دون أن يدري بذلك، هو العارف برسم وجهه لا بلقب سعى لأجله.

بعد لقاءاتي بالصوفيين وحديثي معهم حول تجاربهم الروحانية، والحال الذي يمرون به إثر الذكر المطول وبعد زيارتي لعدة أديرة بوذية في أعالى جبال التبت، اتضح لي أن التجربة الصوفية، والتجربة الدينية ببعدها الروحي وما تنتج عنه من تجليات وانكشافات، هي تجربة اصطناعية لا تقل في تكلفها عن تجربة الشامانات في الحضارات البدائية  والذين يتعاطون المواد المخدرة والمهلوسة لأجل الوصول إلى تجارب روحانية معينة.

يبدو لي الآن أن سعادة سي أحمد، التي ربما لا يشعر بها، تفوق سعادة الكثير ممن خاضوا غمار التجربة الصوفية أو غيرها من التجارب المثيلة.

من الواضح بالطبع أن التجربة الصوفية، عبر ممارسة الذكر، تهدف إلى الوصول إلى أبعاد ذات طبيعة مختلفة من المعرفة وليس مجرد البحث عن المتعة الوقتية أو الدنيوية، لكن المشكل في هذا الأمر أن هذه الحالة العقلية التي يبتغون الوصول إليها هي ذات الحالة التي يصبوا إليها الشامانات أو حتى راقصي القبائل البدائية.

وبالتالي أصبحت بعض ممارسات المتصوفين ليس طريقاً للسعادة الدنيوية أو الأخروية، بل تجربة معرفية آنية صرفة. تجربة معرفية بديلة يمكن الوصول إليها عن طريق تغير حالة الوعي إلى حالة بديلة عبر وسائل مختلفة ليس من الضروري أن تكون مرتبطة بإيمان ديني أو عقيدة. لعل الكثير مما يعتقدون أنها كشوفات ربانية هي نشاطات "عقلوعصبية" حُفزت عبر إخضاع الشخص لمؤثرات حسية قوية، في هذه الحالة جلسات الذكر المطولة.

لكن ثمة احتمالات قد تكون أكثر عمقاً من ذلك، وهي كما افترض أحد العلماء المتدينين أن الله إذا أراد التواصل معه فإنه سيفعل ذلك حتماً عبر جهازه العصبي ولن يكون ذلك في عالم برزخي.
وبصرف النظر عن هذا التنظير الروحاني، فإننا إذا كنا نبحث عن منهج للسعادة في حياتنا، لربما آنستنا حياة سي أحمد البسيطة ببصيص من الحكمة العادية. الحكمة البسيطة الممتنعة، التي نراها مرتسمة على وجوه بعض الناس دون أن يدرون أنها تسكن جباههم وعيونهم.


كتب الجزء الأكبر من هذا المقال في الطريق في القطار من فاس إلى الدار البيضاء- قطار يوم الثلاثاء، الموافق 1 أيلول 2009

Photos by: Nicole Hill

************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لنص للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.  

Tuesday, 12 February 2013

رفح: بين دقات الساعة وأزيز الرصاص



الأحد: 23 أيار 2004، 2:30 صباحاً - لازلت أسمع دقات الساعة بوضوح رغم صوت طائرة التجسس الإسرائيلية التي لم تمل من مراقبة مدينة رفح لليوم السادس بلا انقطاع. خلد جميع الصحفيين الذين جاءوا من كل حدب وصوب إلى النوم بعد يوم شهد هدوءاً نسبياً رغم مقتل طفلة لم تتجاوز الخامسة من عمرها في العاشرة والنصف من صباح السبت.

Monday, 11 February 2013

Desire


-In the dreamy valleys of desire, everything dissipates into nothingness.

-What once was named desire is now a garden made of fire. 

-Once made into perfection, paradise was cast into fire.

Sunday, 10 February 2013

عدم



لا شيء. لا شيء سوى الغبار يغطي الدافاتر وأقلام الرصاص الغير مبراة التي تقبع فوق سطح المكتب العتيق في حالة من اللامبالاة السرمدية. لا شيء مكتوب على الأوراق التي استوطن فيها السوس سوى أشباه حروف خُطت منذ أمد. حروف بلا معنى، حروف محطمة وغير قابلة للتركيب، أو حتى لمزيد من التفكيك.






أنت القصيدة


(قصيدة مهداة إلى زوجتي الحبيبة)
سأكتب لك حبيبتي قصيدة،
ترتليها في محراب العشق،
وتعلقيها على أهدابك تعويذة.

تنامي على غيمها،
ترتشفي من غيثها،
ترقصي على وترها،
وتتمايلي على غصنها.
سأكتب لك حبيبتي قصيدة،
تخبئيها بين خصلات شعرك،
وتغنيها كاحتفاء الكون بنجمة وليدة.

حول الإرث الحضاري العربي/الإسلامي


من المهم أن يفهم الإنسان تاريخه بشكل واع. فأهمية التاريخ لا تكمن في مجرد معرفة أحداثه أو في التباهي بماض عريق أو لمجرد تذكير النفس بأحداث غابرة. يجب أن يكون الهدف من دراسة التاريخ هو المعرفة الواعية لماضي الإنسان، بحيث تنعكس هذه المعرفة على واقعه.

تفاؤل شعب


عندما طلبت الأوراق المتعلقة بملف المواطنين الشريفين – اللذين مازالا مليئين بالأمل بأن طلبهما سيلقى آذاناً صاغية وأدمغة واعية – استبشرا أن زيارتهما تلك لمكتب الحكومة العلية والسلطة البهية قد تكون الأخيرة لسلسلة من عشرة زيارات.

قبل أن يفنى الوجود



كم من زمن مضى منذ عملت خلايا دماغك بشكل يقنعك بأنك تستحق الحياة. كم من زمن مضى منذ أن اقتنعت بأن وجودك شيء من الممكن الاكتراث به.

تخليد اللحظة - ملاحظات من على سفح جبل الرحمة


نعمد إلى التصوير لتخليد لحظات من حياتنا، فتصبح الصورة، وهي تجسيد للذكرى، في بعض الأحيان بديلاً عن الواقع. سواء الواقع الذي نعيشه لحظة التقاط الصورة وذلك عبر تجاهلنا له بمجرد أن حاولنا تخليده من خلال تجميد لحظة، بل أقل، منه في صورة رقمية أو على الورق.

جرذان


- أفصح لي عما في قلبك. لاتخف من شيء. ليس ثمة من يراقبك. نحن وحيدان هاهنا. ألا تصدق؟ إن كنت لا تصدق، فحاول أن تقنع ذاتك، ولم لا؟ سأريك ما يمكن أن أفعله كي أثبت لك أن لا أحد يسمعنا، سأصرخ بكل قوتي:

السعادة المؤجلة


قد تنتهي أسعد لحظات حياتنا في أقل الأوقات توقعاً. وقد تنتهي بمحض إرادتنا، بل وتدبيرنا. قد تنتهي لأننا قررنا لأنفسنا بأن ذلك النوع من السعادة أو ذلك المقدار هو ليس ما نريد. قد تنتهي لأننا قيدنا أنفسنا بقيود لا ضرورة لها، بقيود كان من الغباء الإيمان والتفكير بها أصلا.

فنان


دخل محرفه المنعزل عن العالم ونظر نظرة خاطفة؛ إلى علب الألوان المتناثرة في أرجاء المكان كأنها ضربات إيحائية من ريشته. إلى اللوحات غير المكتملة. فاللوحة لا تكتمل أبداً، بل تسير دوماً نحو اللاكمال؛ إلى القماش الملطخ بالطلاء؛ إلى الفراشي ذات الأحجام الكبيرة، إذ لا يطيق الفراشي الدقيقة التي تصبو نحو الكمال.

طقوس الموت


عادة، عند موت الإنسان، نقوم بعمل بعض الطقوس، كغسل الميت والجنازة والدفن والعزاء. وللناس طقوس شتى في دفن موتاهم. يتفننون في ذلك. حتى إن الميت ليبدوا أنه عريس سيزف، أو مولود قد ظهر إلى الحياة، لم ير شيئاً فيها، فيهيئون له السبل لدخولها. لدخولها نظيفاً طاهراً.

وحش القرية


ثَمَّ رجل في القرية يقتات على لحوم الأطفال الرضع كل مساء.
يخطفهم في وضح النهار،
وأمام أعين أهليهم.
ويلتهمهم على مهل.

ستموت آلاف المرات


- كم انت مشبع بالمصائب! إنك تعاني. يا لك من مُعانٍ!

راسكولنيكوف

 عاد مرة أخرى ليكرر السؤال ذاته: “إلى متى سأظل أحمق؟” ظل واجماً، يبحث عن إجابة لسؤاله الذي أطلقه عبثاً، وأدرك خطورته بعدما ألقاه على ذاته الهائمة في جنبات الوجود الذي بدوره مازال يبحث عن ماهية له.

أملاً في أن تكون أشياء


شخص ينتظر عبث الأقدار، ينتظر من التاريخ أن يحقق له أحد الأزمات التي مازالت منهمكة في الدوران في أعماق رأسه. هذا الرأس الذي طالما أحس أنه مليء بالبلادة، وطالما أحس أنه به قدرات ربما فاقت أشياء كثيرة من الممكن أن يتصورها.

لحظة


وما هي إلا لحظة واحدة، تلك التي أنتظر.
وما هي إلا ومضة مثل البرق، بل أسطع.
تأتي ذات مرة دون موعد، أو سابق إنذار.

السكين


يمسك السكين وهو ينظر إليها بتمعن، يقلبها من جهة لأخرى. “بحاجة إلى شحذ. ولم لا،” فكر في نفسه. هي سكين، أو بالأحرى قطعة من الخشب أبلاها الزمن – السوس وغيره من أسباب التآكل. أخذت الأسلاك والمسامير قسطاً كبيراً منها. تحتاج السكاكين القديمة والتي غالباً ما يستخدمها كبار السن إلى هذا الترقيع كي تبقى سكيناً.

الاعتذار

الاعتذار محاولة بائسة لإعادة الحياة إلى جسد متعفن. الاعتذار ليس سوى صدفة فارغة. الاعتذار عادة سيئة السمعة، كمقال بلا مقام، كقصيدة مبتذلة. ثمة أشياء لا يمكن الاعتذار عنها. كل ما بوسعنا فعله هو طأطأة رؤسنا بذلةٍ، ريثما ننتظر العقاب أو نتمنى أن نختفي عن الوجود في لحظة تشبه فعل ساحر مجيد. الاعتذار ليس سوى استجداء للأعذار، ولا عذر لمن ظلم. 






الرغبة


- ما كان يوماً يسمى الرغبة، هو الآن حديقة مجبولة من نار.
- في أودية الرغبة الحالمة، كل شيء يسير نحو الفناء.
- لما ربت الجنة وتم كمالها، قذف بها إلى الجحيم.
لوكسمبورغ، 15 يونيو 2010
- مرادف اللذة الهلاك، ومرادف الهلاك اللذة، أحياناً.
غزة، 31 مايو 1998

الوجود


للوجود معنى واحد: الفناء. وتكمن في الفناء أسرار الوجود.














************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص والصورة للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص والصورة المرفقة أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.  

ليس ثم ما يُبصر


لقد سبر أولو الألباب الأغوار ببصيرتهم منذ الأزل.
وهل لعمق بصيرتهم من مستقر؟
لقد أيقنوا أنْ لا كينونة لشيء.
وذاك هو عين الحقيقة.

ألف قصيدة وقصيدة



ألف قصيدة وقصيدة

البحر


سأعشق البحر مزيداً، وسأتوغل فيه قدرما استطعت وسأغوص في أعماقه حتى ألمس رماله الحزينة، وسأحضنه عندما يتيسر لي ذلك. أما و مازال الضعف يعتريني، ومازلت إنساناً، فسأظل أسبح كالمجنون، وأتخيل أنني بت في أعمق أعماقه.

التاريخ 2


لا أكرة الأيام، لا أكره مسارات القدر، لكنني أكره تاريخاً عبثت به أهواء البشر.أيها التاريخ اذهب، فلا نريدك هنا بين ثنايا الكتب، اذهب و مت. فلو أنك طفلة تبكي لما أشفقت عليك، ولو أنك زهرة تحرق لما اشفقت عليك.

التاريخ


- تخيل أنك تسير في صحراء جرداء، لا أحد فيها، وفجأة يظهر التاريخ أمامك في صورة امرأة عارية، فماذا تفعل؟

موت حسب الطلب


- هل ثمة من يريد الموت؟ غرقاً، شنقاً، رمياً بالرصاص؛ جميع أشكال الموت متوفرة. 

آثام


هاهواذا يعود مرة أخرى ليلعن كل خطاياه. ثمة شيء غريب يدور في رأسه، ثمة شبح أزرق إن لم يكن أسوداً بات يخيم مرة أخرى على عقله. أحس أن هذا الشبح،  الذي بات يظهر الآن بشكل أوضح، جاء ليضيف مزيداً من الأوزار إلى رصيده.

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More