فلتقف خلف الباب، فلتبق وحيداً في جنح الظلام، فلتقتل نفسك، فلتنتحر. فلتذهب فوراً إلى المرآة، ولتنظر إلى وجهك، لتتأمل شكلك جيداً، وترى إن كان مقبولاً. ولتنظر في عينيك جيداً، لتتاملهما وترى لونهما وبعدهما، وشكلهما، ولتتأمل عمقهما، ولتتأكد من موقعهما. ولتدقق النظر في حاجبيك، فجفنيك، ولتتأكد مرة أخرى من موضع عينيك، وعمقهما، وتأثيرهما، أو خبثهما، أوتفاهتهما، وربما بأسهما.
ولتتأكد من كل شيء؛ من الحياة، من الموت، من الحزن، من الفرحة، من الحب، من البغض، من الانتظار، من الواقع، من الخيال. ولتمت أخيراً في جنح الظلام، ولتقابل الظلمة بظلمة أكثر.
ثم انس كل شيء، حتى نفسك! لا تفكر فيها بل حاول أن تمقتها ولو لمرة، ثم امقت صوتك، وامقت الظلام، وأحب الموسيقى. أمش عبر الفضاء المظلم. حاول ألا تتعثر بأي شيء، ولتقتل كل ما يعرقلك، حتى إذا صادفتك ورقة من الأوراق المبعثرة، فلتعتصرها في الحال بقبضة يدك، فلتخرسها. عندما تصل إلى الغاية بعد جهد مضن اضغط على الزر لتستمع إلى صوت الكمان، وتنهار في الحال. وليكن انهياراً هادئاً، مطمئناً.
ولتنم، ولتمت، أو تحلم، أو تبتسم، لكن حاذر الضحك، لا تضحك أبداً، ابتسم فحسب، هذا إن أردت، وأظنه سيكون جيداً. ولتبق على حالك مستمعاً لصوت الكمان العذب. وإن أردت الموت، فلتمسك بجهاز التسجيل ولتقذفه عبر الظلام. حاول أن تدعي أنك لم تسمع شيئاً من الحطام. “كلها سخافات،” حاول أن تعتقد ذلك.
أركض عبر الحطام، وحطم نفسك. لا، لا، فلتتوقف قليلاً. أحضر أدواتك ولتحاول، بل ذلك لزام عليك، أن تصلح الجهاز المحطم، ولتستمع حتى أخر مقطع من المعزوفة، ولتعد الكرة مرة أخرى، لكن في هذه المرة لا تتواني، حطم نفسك في الحال، ولتمت أو لا تمت. أفعل ما تشاء، أو ما يمليه عليك ضيرك، أوما يمليه عليك جنونك. لا فرق. كلها سخافات.
1998
************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص والصورة للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص والصورة المرفقة أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.

0 comments:
Post a Comment