Thursday, 7 February 2013

فضول الأطفال


ينظر طفلي الصغير الذي لم يتجاوز عامه الأول كل يوم إلى المرآة ولا يرى نفسه. يرى طفلاً آخر، يداعبه، ويبتسم له، ويحاول أن يمسك به. وهو يفعل ذلك سواء كان وحيداً أمام المرآة أو عندما أكون إلى جانبه. أفترض أحياناً أنه ربما يتساءل كيف لأبيه أن يكون موجوداً في مكانين في الوقت ذاته. لكن يبدو أن هذا التساؤل لا يراوده. علماء النفس يخبرونا أنه لن يستطيع تمييز ذاته في المرآة قبل 18 شهراً من عمره. أما دون ذلك، فليس لدى طفلي القدرة على إدراك أن الشخص المقابل له هو ذاته.

هذه الحالة جعلتنى أتساءل. فثمة الكثير من الأشياء في حياتنا التي لا نقدر على رؤيتها رغم وضوحها، وعندما نراها، أو نشعر بها، أو يعلمنا أحد أو تجربة معينة بوجودها، نتساءل كيف عمينا عن رؤيتها  طوال ذلك الوقت. وكذلك الأمر للكثير من الأفكار العظيمة التي عندما تأتي إلى الوجود ندرك مدى بساطتها وكيف لم يكن باستطاعة الكثير من الناس إدراكها أو حتى التفكير بوجودها. حتى إنه ليبدو أنها كانت معلقة، موجودة في اللامكان.  ربما لأن العقل البشري الجماعي هو كالطفل؛ يحتاج إلى بعض الوقت، وأحياناً إلى الكثير من الوقت، لإدراك أكثر الأشياء بديهية وبساطة.

وكذلك الأمر بالنسبة للأسئلة الفلسفية الكبرى التي طفق المفكرون لآلاف السنين في محاولة إيجاد تفسير لها دون جدوى تذكر. وهنا أعود لأفكر بأننا لسنا سوى أطفال في هذا الكون وثمة أشياء ليس لدى عقولنا القدرة على إدراكها واستيعابها.

لكن هل يعني ذلك الاستسلام؟ تاريخ الفكر والعلم يخبرنا أنه علينا دائماً أن نتحلى بفضول وبراءة الأطفال في التساؤل عن أكثر الأشياء وضوحاً وبداهة وعن تلك التي لا يبدو أن ثمة إجابة لها في الأفق. لكن يجب أن نزاوج هذا الفضول بميل صحي نحو النظر إلى الأمور بطريقة مغايرة قدر الإمكان مثلما فعل الفيلسوف الألماني “مارتن هايدجر” عندما شقلب المنهج الفلسفي والعلمي عبر الدعوة إلى التخلص من أفكارنا واعتقاداتنا المسبقة والرجوع إلى طريقة التفكير، تحديداً حول الوجود والزمن، التي سبقت الفكر السقراطي في الفلسفة اليونانية القديمة.

ورغم أن “هايدجر” فشل في إكمال مشروعه الطموح في محاولة فهم إو إحياء أسئلة ومفاهيم اليونانيين القدماء حول الوجود والزمن، إلا أن أطروحته وضعت البذور لبعض أكبر المدارس الفلسفية في القرن العشرين وامتد أثره ليشمل الفلسفة والعلم والفن والأدب.

وهنا تتجلى لنا أهمية الحفاظ على فضول الطفل وخلو عقله من أي أفكار أو تصورات مسبقة في تفكيرنا حتى يتسنى لنا في وقت ما فهم بعض الأسئلة التي حيرت العقل البشري منذ بزوغه.

8 يناير 2013

************
الشروط والأحكام -- الملكية الفكرية للنص
تعود حقوق الملكية الفكرية لكل من النص والصورة للمؤلف "محمود حبوش". يُمنع منعاً باتاً نشر، أو إعادة نشر، بشكل جزئي أو كلي، وبأي وسيلة نشر إلكترونية أو غيرها لهذا النص والصورة المرفقة أو غيره من النصوص والصور الموجودة في هذه المدونة المعنونة "www.mhabboush.com". أي نقل غير مصرح به يضع صاحبه تحت طائل المسئولية القانونية. وفي حال الرغبة في نشر أو إعادة نشر أي جزء من المحتوى المتوفر في هذه المدونة، باستثناء الربط الذي يُرجع القارئ إلى المدونة والحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب الكتابة إلى صاحب الملكية الفكرية عبرصفحة المدونة على الفيسبوك والتي تحمل العنوان التالي: www.facebook.com/arabianliterature.  


0 comments:

Post a Comment

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More